حميد مجيد هدو
153
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج)
ثمّ يقول ( رحمة الله عليه ) : « وكنت عملت على قديم الوقت كتاب النهاية ، وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم وأصولها من المسائل وفرّقوه في كتبهم ، ورتّبته ترتيب الفقه وجمعت من النظائر ، ورتّبت فيه الكتب على ما رتّبت للعلّة التي بيّنتها هناك ، ولم أتعرّض للتفريع على المسائل ولا لتعقيد الأبواب وترتيب المسائل وتعليقها والجمع بين نظائرها بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك » « 1 » . وهذا يعني أنَّ كتاب النهاية هو كتابُ حديث في واقعه وإن لم يكن في ظاهره كذلك ، وأنّه قد حاول الخروج عن ذلك النمط الروائي المحض بمحاولته الجديدة والجادّة في كتابه المبسوط . ومع أنّ شيخ الطائفة الطوسي ( رحمة الله عليه ) قد حاول ذلك ليدفع بأقرانه ومريديه باتجاه العملية الاجتهادية إلا أن محاولاته كادت أن تذهب أدراج الرياح حيث بقي من جاء من بعده أسير الأجواء الطوسية إن جاز لنا التعبير فلم يحرّك ساكناً ، وهذا ما يعكس لنا بقوّةٍ غياب الروح النقدية آنذاك . ولعلّ عمق شخصية الشيخ الطوسي وقوّة تأثيرها في من جاء من بعده قد لعب دوراً أساسياً في قوقعة الحركة الفقهية آنذاك ، وكاد أن يُنقض الغرض لولا مجيء المحاولة الإنقاذية الجادّة لابن إدريس الحلي ( رحمة الله عليه ) « 2 » الذي دفع بالعملية الاجتهادية صوب أهدافها متحمّلًا أعباء وأصداء المناخات الضبابية التي عادة
--> ( 1 ) مقدّمة المبسوط : ج 1 ص 2 . ( 2 ) هو الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي ( ت : 598 ه ) صاحب كتاب السرائر ، جمع فيه كلّ أبواب الفقه تحقيقاً وتأسيساً في التفريع على الأصول العامّة في الفقه ، مستنبطاً إيّاها من أدلّتها الشرعية ، فهو الفاتح لهذا الباب لكلّ من تأخّر عنه ، وفي ما يتعلّق بنسبه وارتباطه بالشيخ الطوسي فقد وقع خلط كبير حيث قالوا إن الشيخ الطوسي هو جدّه لأمّه ، وهذا غير صحيح البتة ، ولكنّ الصحيح بحسب التحقيق هو أنّ الشيخ الطوسي هو جدّ أُم أبيه .