السيد كمال الحيدري
156
كليات فقه المكاسب المحرمة
عن تراضٍ » فتكون أخرجت كلّ ما عدا التجارة من جعالة وهبة وغير ذلك . ومن الواضح أنّ التصرّف بالمباح ليس منحصراً بالتجارة ، ولذا اقتضى القول بالاستثناء المتّصل تأويل الآية ؛ لأنّ الاتصال يُفضي إلى الانحصار ، والانحصار مخرج لجملة من المعاملات المباحة شرعاً . ولأجل ذلك يقول المحقّق الأردبيلي ( قدس سره ) : « لو كان الاستثناء متّصلًا لزم التأويل ؛ لعدم التصرّف المباح في التجارة عن تراضٍ . . . » « 1 » . وعليه فإنّه لابدّ من الالتزام بالمنقطع ، وبقي أن نقف على مفاد الآية الكريمة فيما إذا التزمنا بالانقطاع ، وهذا ما يمكن تقريبه وتوضيحه من خلال شواهد قرآنية استعرضت هذا النوع من الاستثناء . منها : قوله تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( الشعراء : 88 - 89 ) فإنّ الاستثناء هنا منفصل كما هو واضح ، فالقلب السليم شيء والمال والبنون شيء آخر ، وهنا يتعيّن علينا الوقوف عند السرّ القرآني في استعماله للاستثناء المنفصل في هذه الآية وغيرها . وجواب ذلك هو أنّ القرآن إنّما يريد أن يدفع وهماً ، فبعد أن قالت الآية يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ هنا يمكن أن يحصل توهّم للإنسان حيث يرى أنّ طرق النفع منحصرة بالمال والبنين ، فإذا انقطع هذان الطريقان معاً فإنّه لا يجد أمامه طريقاً آخر للنفع والفلاح ، وهنا تدخل الآية الكريمة لرفع هذا التوهّم حيث تقول له : إنّ طرق الفلاح ليست منحصرة بالمال والبنين وإنّما هنالك طريق آخر وهو أن يأتي العبد إلى ربّه بقلبٍ سليم .
--> ( 1 ) زبدة البيان : ص 427 .