السيد كمال الحيدري
152
كليات فقه المكاسب المحرمة
وهذا التوجيه من الصعب القبول به لأنه - كما هو واضح - على خلاف ظاهر الآية التي جعلت « بالباطل » قيداً مرتبطاً بما تقدّم ، أعني قوله تعالى : لا تَأْكُلُوا ، هذا فضلًا عن كون هذا التوجيه يقرّب الاستثناء من الانقطاع ويُبعّده عن الاتصال فيكون خلاف الفرض . التوجيه الثاني : أنّ قوله تعالى : بِالْبَاطِلِ يبقى كما هو ، وأنّ التجارة عن تراضٍ تبقى أيضاً من مصاديق الباطل ، ولكن الشارع قد اضطرّ إلى إجازة ذلك ، بنكتة أنّه لو أبطل التجارة عن التراضي فإنّه لا تبقى تجارة قائمة عندنا ولا يقع تعامل ، أمّا النكتة في إطلاق عنوان الباطل على التجارة أو أنّ التجارة جعلها الشارع من مصاديق الباطل فذلك لأنّ البائع لم يضف إلى البضاعة شيئاً معتبراً ، إذ البضاعة التي اشتراها مسبقاً باعها بما هي عليه دون زيادة أو نقيصة فيها ، فيكون الربح والزيادة على أصل ثمنها هو أخذاً للمال بدون مقابل ، وهذا هو معنى البطلان ، لأنّه أخذ مالًا بغير حقٍّ ، وقد قلنا إنّ إجازة الشارع لمثل هذا الباطل إنّما هي من باب الاضطرار ومن باب الحكم بالعنوان الثانوي . ولكنّ هذا الوجه وردت عليه عدّة ملاحظات . الملاحظة الأولى : هي أنّه من قال بأنّ التاجر لا يبذل جهداً ولا يعطي شيئاً آخر غير المثمن بإزاء الربح والزيادة على أصل قيمة المثمن ؟ فمن الواضح جداً أنّ التاجر يبذل جهداً نفسياً وجسدياً وأنّه يقدّم من أمواله أجوراً للعمّال والمخازن ، بل وأنّه يتحمّل الخسارة في البضاعة إذا ما حصلت ، هذا فضلًا عن تعطيل أمواله في البضاعة وغيرها من أمور « 1 » .
--> ( 1 ) ولو كان ما قيل صحيحاً في هذا التوجيه لسرى ذلك أيضاً للمضاربة ؛ إذ في المضاربة لا يبذل شيئاً في قبال الربح وفق فهم أصحاب التوجيه الثاني ، والقضية سيّالة في موارد أخرى .