السيد كمال الحيدري
368
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)
شيء . لكنّ تصوّرهم هذا أبعد ما يكون عن جادّة الصواب وصراط الواقع والحقيقة ، وذلك لأنّ الموت ما هو إلّا مرحلة من مراحل حركة الإنسان وكدحه منذ أن نزل إلى هذه النشأة . الموت عبارة عن تتويج لتلك المراحل العديدة الكثيرة ، الموت وسيلة يعْبُر من خلالها الإنسان إلى الحياة الأخرى ، التي هي دار الحيوان ، والتي هي خيرٌ وأبقى ، يرى فيها ما قدّمت يداه ، إن خيراً فله ما يقتضيه ، وإن شرّاً فكذلك . كيف يصحّ نسبة هذا المعنى للموت ، ثمّ نسبة الجزاف والعبث إليه تعالى ، وقد فطر الله الإنسان على حبّ البقاء ؟ وهذا الحبّ أمرٌ يدركه الإنسان بوجدانه ، من دون حاجة إلى أدلّة أو براهين . فلو لم يكن من مجال للبقاء ، فلا معنى لذلك النحو من الخلقة ، والتالي باطل ، وذلك لأنّ الخالق حكيم ، لا يخلق خلقاً لا معنى ومحصّل من ورائه ، ولكنّ السبب في كراهية الموت يرجع إلى أمرين : 1 - هذه الكراهة وليدة التأثّر عن نشأة الحسّ الغالبة على الإنسان ، حيث إنّ للنفس نشآت ثلاث ، أوّلها الحسّ « . . ولها الغلبة على الإنسان ما دامت هذه الحياة الحسّية باقية له ، فتجري أحكامها على النفس من هذه الدار ، ويؤثّر فيها من هذه الجهة كلّ ما يؤثّر في الجوهر الحاسّ ، وفي الحيوان الحسّي من الملايمات والمنافرات الحسّية ، ولهذا تتضرّر وتتألّم بتفرّق الاتّصال ، وبالاحتراق بالنار ، وساير المنافيات الحسّية ، لا من حيث كونها جوهراً ناطقاً ، وذاتاً عقليّة ذات نشأة روحانيّة وعالم ملكوتيّ ، بل من حيث كونها جوهراً حسّاساً ذا نشأة حسّية وعالم دنياوي ، فتوحّشها من الموت البدني ، وكراهتها للعدم الحسّي إنّما يكون لها بحصّة من هذه النشأة الحسّية . وأمّا ما يقتضيه العقل التامّ وقوّة الباطن وغلبة سلطان الملكوت والتشوّق إلى الله - تعالى - ومجاورة مقرّبيه ، فهو محبّة الموت الطبيعي ، والوحشة عن حياة