السيد كمال الحيدري

361

كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)

وأمّا الجهة الثانية : البدن سالم ، والسفينة كذلك ، لكنّ رياحاً عاصفة مزمجرة ، محتدّة كالإعصار أتت على السفينة فأفسدتها ، إذن كان خراب السفينة بفعل الرياح ليس إلّا ، بخلاف الجهة الأُولى حيث خربت السفينة بسبب آخر غير الرياح التي كانت ملائمة ، وكذلك أمر البدن عندما تبلغ النفس من الشدّة والقوّة بسبب حركتها المذكورة ، والتي تأخذ بها من قوّة إلى أخرى ، ومن شدّة إلى ثانية ، فإنّها سوف تبلغ الغاية التي تكون سبباً لخراب البدن بعد أن أنهكته شيئاً فشيئاً ، فراح يذوي ويتلاشى ، حتّى أصبح عالة على النفس ، لا نفع يُرجى منه ، فتغادره إلى عالمها الذي جاءت منه . عروض الموت ضرورة عروض الموت ضرورة لازمة للغاية الذاتيّة للنفس ، وأمّا الغاية الذاتيّة للنفس فهي اشتداد جوهرها وكمالها وقوّتها ، وهذا يلازمه الموت الطبيعي أي ترك النفس للبدن الطبيعي الذي لا تبقى حاجة إليه مع الوصول إلى تلك الغاية . وبعبارة أخرى : كلّما وصلت النفس إلى غايتها الذاتيّة استغنت عن البدن الطبيعي ، وكلّما استغنت عن البدن الطبيعي عرض لها الموت كذلك . حال ركّاب السفينة إذا اشتدّت الرياح وزمجرت بالسفينة في عرض البحر فإن كان ركّابها من أهل الرزانة والاتّزان ، لم تبدر عنهم حركات الهلع ، ولم تستولِ عليهم الصدمة ، وإن كانوا خلاف ذلك فإنّهم يضيفون ألماً آخر فوق ما يشعرون به من ألم . ومثلهم في ذلك مثل الجازعين عند المصيبة ، فإنّهم ينالون من الألم ما لا يناله الصابر عندها ، وذلك لأنّ الجازع يصيبه ألمان : ألم المصيبة ، وألم الجزع والانهيار أمام هولها ، بينما الصابر فإنّه في حلٍّ من الألم الثاني ، ولعلّ صبره يحوّل ألم المصيبة إلى نعمة يشكر الله تعالى عليها .