السيد كمال الحيدري

336

كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)

النصّ الأوّل : النفس حاملة للبدن اعلمْ أنّ النفسَ حاملةٌ للبدن لا البدنُ حاملٌ لها ، كما ظنَّهُ أكثرُ الخلق ، حيث قرعَ أسماعَهم من أنّها من زبدةِ العناصر وصفوةِ الطبائع ، وظنّوا أيضاً أنّ النفسَ تحصّلٌ من الجسم ، وأنّها بقوّةِ الغذاء ، وتضعفُ بضعفِه ، وليس كما توهّموه ، إنّما النفسُ تحصّلُ الجسمِ وتكوّنُه ، وهي الذاهبةُ به إلى الجهاتِ المختلفةِ وهي معه ومع قواهُ وأعضائِه ، تدبّرهُ حيثما أرادت ، وتذهبُ به حيثما شاءت ، من هبوطٍ إلى أسفلَ أو صعودٍ إلى فوق ، بحيث يمكنُها مع كثافةِ البدن وثقلِه ، فمتى أرادت صعودَه تصيّرُه صاعداً ، ويتبدّلُ ثقلهُ خفّةً ، وإذا أرادتْ هبوطَه يهبطُ ، وتتبدّلُ خفّتُه ثقلًا ، وأمّا الطلوعُ إلى عالم السماءِ وجنّةِ الأرواح والسّعداءِ والمنزلِ الأعلى فلا يمكنُها أن ترقى إلى هناك بهذه الجثّةِ الكثيفةِ ، بل ببدنٍ نوريٍّ من جنس تلك الدارِ ، إذا تخلّصتْ من هذه البنيةِ المظلمة ، كما أنّ الطلوعَ إلى جنّةِ المقرّبين وصقع الكاملين ، من الصورِ المفارقةِ والمثل الإفلاطونيّةِ النوريّةِ لا يتيسّرُ لها إلّا إذا انفصلتْ عن علوق الأبعادِ والأجرام ، وانقطعتْ عن الأمثالِ والأشباح ، وتجرّدتْ عن الكونين ، ورفضتْ العالمين .