السيد كمال الحيدري
95
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
« فتوجّهت توجّهاً غريزياً نحو مسبّب الأسباب وتضرّعت تضرّعاً جبليّاً إلى مسهّل الأمور الصعاب ، فلما بقيت على هذا الحال من الاستتار والانزواء والخمول والاعتزال منقطع الآمال ، منكسر البال ، متوفّراً على فرض أؤدّيه ، وتفريط في جنب الله أسعى في تلافيه ، لا على درس ألقيه ، أو تأليف أتصرّف فيه ، اشتعلت نفسي لطول المجاهدات اشتعالًا نورياً والتهب قلبي لكثرة الرياضات التهاباً قويّاً ، ففاضت عليها أنوار الملكوت ، وحلّت بها خبايا الجبروت ، ولحقتها الأضواء الأحدية وتداركتها الألطاف الإلهية ، فأطلعت على أسرار لم أكن أطّلع عليها إلى الآن ، وانكشفت لي رموز لم تكن منكشفة هذا الانكشاف من البرهان ، بل كلّ ما علمته من قبل بالبرهان عاينته مع زوائد بالشهود والعيان من الأسرار الإلهية والحقائق الربّانية والودائع اللاهوتية والخبايا الصمدانية » « 1 » . ممّا تقدّم يتبيّن أنّ فيلسوفنا المترجَم له ، يعتقد أنّ معرفة الحقائق يمكن أن تحصل عن طريق البحث والاستدلال العقلي القائم على الأقيسة والمقدّمات المنطقية ، ويمكن الحصول عليها أيضاً عن طريق المكاشفات التي تحصل للعارف والسالك بطول المجاهدات والانقطاع إلى الله تعالى ، بعد تصفية الباطن ورفع الحجب عن النفس . بتعبير آخر : إنّ تجريد النفس عن شهواتها ولذائذها والتخلّص من أدران الدنيا وأوساخها ، تصقل مرآة القلب المعنوي فتنطبع عليها صور حقائق الأشياء كما هي . والفرق بين العلَمين كما تقدّم منه هو الفرق بين من يعلم الحلاوة
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 8 .