السيد كمال الحيدري
214
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
فإنّ السنن الإلهيّة والقوانين الطبيعيّة وغير الطبيعيّة بمقتضى هاتين الآيتين وبشرائط خاصّة لا تتخلّف ولن تتخلّف . فمثلًا : عندما جعل الله سبحانه وتعالى النار تحرق ، فهذا قانون ، كذا إذا تحقّقت الشرائط الكذائيّة فالعين السليمة تبصر ، وأيضاً إذا تحقّقت الشرائط الكذائيّة الأخرى فإنّ الماء ينتقل ويكون سحاباً ثمّ يكون مطراً ، وهكذا سائر القوانين التي تحكم عالمنا المشهود ، فهذه كلّها تدخل في إطار القوانين التي قال عنها القرآن الكريم وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا . وهنا نشير إلى مسألة عرضيّة خارجة عن بحثنا وهي كيفيّة التوفيق بين المعجزة وبين هذه القوانين التي تحكم عالم المادّة ؟ فمثلًا : الخشبة لا يمكن أن تكون أفعى ، ولكن القرآن الكريم يقول بأنّ عصى موسى صارت حيّة تسعى ، فكيف نوفّق بين هذين القانونين ؟ ولهذا قلنا في المقدّمة بأنّه يوجد لدينا قسمان أو سنخان من القوانين ، فهناك قوانين الوجود العامّة ، وهناك قوانين لعالم المادّة . والقانون الموجود في عالم المادّة قد يخرمه الله سبحانه وتعالى ولكن ضمن القوانين التي تحكم عالم الوجود وليس خارجها ، فالمعجزة ليست خارج قوانين العالم وسنن الله تعالى ، بل هي خاضعة لتفسير العلّية والمعلوليّة والسنن الكونيّة ، وهذه المسألة ليست مورد بحثنا . . . وعلى كلّ حال فإنّ نظريّة الفيض يُراد منها بيان أنّ هذه النار تريد أن تُحرق ، والذي يُحرق هو النار ، ولكن هذه النار تُحرق ما دام الله يفيض عليها الوجود ، أمّا إذا قطع الله تعالى عنها الوجود فإنّه ليس فقط أنّها لا تكون مُحرقة بل تُعدم ولا يبقى منها شيء .