السيد كمال الحيدري
215
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
ولتقريب المسألة إلى الذهن من خلال الصور الذهنيّة نضرب مثلًا : إذا تصوّرت في ذهنك إنساناً له خمسة رؤوس ، فإنّ هذا الإنسان ( صاحب الخمسة رؤوس ) يبقى في ذهنك ما دمت ملتفتاً إليه ، وأمّا إذا لم تعد ملتفتاً إليه فلا يبقى في الذهن ولا تبقى له صورة أيضاً ، وهكذا فإنّ الله تعالى ما دام يُفيض الوجود على النار فهي تقوم بعمليّة الإحراق ، أمّا إذا قطع عنها الفيض كما لو أنّنا قطعنا الالتفات إلى الصورة فلا تبقى نار حتّى تحرق . فإذا كانت نظريّة الفيض تفيد بأنّ الله سبحانه وتعالى يعطي الوجود في كلّ آن آن ، فهذا لا يتنافى مع ما جعله الله سبحانه وتعالى في القوانين والسُّنن التي تحكم النار وهي في عالم المادّة . ونحن لا نريد أن نقول بمقولة الأشاعرة من أنّ هذه النار لا تبقى آثارها والله تعالى يعطّل مفعولها ، بل نقول بأنّ الذي يحرق هو النار ولكن بإذنه تعالى الذي خلقها وأوجدها إذا أراد لها أن لا تكون محرقة فإنّه يقطع عنها الوجود ، فإذا قطع عنها الوجود تكون عدماً ، وتكون بتعبير المناطقة سالبة بانتفاء الموضوع لا سالبة بانتفاء المحمول . فالقوانين والسنن الكونيّة التي يلزم الانخرام فيها هي التي إذا قلنا بأنّها سالبة بانتفاء المحمول ؛ أي القول بأنّ النار موجودة ولكنّها لا تحرق ، فهذا يعتبر خرماً للقوانين والسنن الموجودة في هذا العالم ، فكما أنّ العين إذا كانت سليمة والشرائط كلّها متوافرة والموانع مرتفعة ولكن مع ذلك تأخذ هذه الورقة أمام العين فلا تراها فإنّ هذا يعتبر خرماً وخرقاً للقوانين الطبيعيّة ، وهذا ما لا يمكن أن يتحقّق ، وهذا ما يقوله المتكلِّمون ، أمّا وفقاً لما نقوله