السيد كمال الحيدري

209

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

وبهذا فسّروا هذه الآية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ « 1 » بأنّها تعني أنّ الله سبحانه وتعالى يفيض وجوداً في كلّ آن وآن . وبعضهم قال بأنّ قوله سبحانه وتعالى : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ « 2 » هو إشارة إلى هذا المعنى ، وأنّنا لسنا مخلوقات سابقة بل نحن خلقٌ بعد خلق . ونظراً لكون هذه المسألة من موارد الخلاف المهمّة بين المتكلّمين والفلاسفة ، ولما يترتّب عليها من أثر كبير وهامّ في الجانب الاعتقادي لابدّ من تفصيل الكلام فيها فنقول : إنّ ملاك احتياج الممكن إلى العلّة أيختصّ بمرحلة الحدوث بأن يحتاج إلى العلّة في مرحلة الحدوث فقط أم يشمل مرحلة البقاء أيضاً بأن يحتاج إلى العلّة حدوثاً وبقاءً ؟ والمراد من الحدوث هو الوجود بعد العدم ، ومن البقاء هو الوجود بعد الوجود . فيكون المقصود من أنّ الممكن محتاج إلى العلّة حدوثاً وبقاءً هو أنّه في وجوده بعد العدم يحتاج إلى العلّة ، وفي وجوده بعد الوجود لا يحتاج إلى العلّة . وبناءً على أنّ ملاك الاحتياج هو الحدوث لابدّ من الالتزام بأنّ الاحتياج يقتصر على مرحلة الحدوث فحسب ، وبعد تماميّة الحدوث تنتفي الحاجة إلى العلّة ولا يعود الممكن محتاجاً إليها . وهذا يعني أنّه بعد إيجاد عالم الإمكان يصير هذا العالم مستغنياً عن الله سبحانه وتعالى ، بل لو جاز على الواجب سبحانه العدم لما ضرّ ذلك بوجود العالم ؛ لأنّ حاجة العالم إلى العلّة

--> ( 1 ) الرحمن : 29 . ( 2 ) ق : 15 .