السيد كمال الحيدري
208
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
علمت يضرّ صاحبه في المعاد . . . وأمّا من اعتقد ما بإزاء هذا الاعتقاد للموحّدين القائلين بأنّ العالم محدث مخترع مطويّ في قبضة بارئه يحتاج إليه في بقائه ، ويفتقر إليه في دوامه لا يستغني عنه طرفة عين ، وامتداد الفيض لحظة فلحظة آناً فآناً ، بل فيضه أمرٌ واحد متّصل لو منع العالم ذلك الفيض والحفظ والإمساك طرفة عين لتهافتت السماوات وبادت الأفلاك ، وتساقطت الكواكب ، وعدمت الأركان وهلكت الخلائق ودثر العالم دفعةً واحدة بلا زمان كما ذكره في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً « 1 » وقوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ « 2 » . فهذا من أحد الآراء الجيّدة ، والاعتقادات الصحيحة المُنجية للنفوس من عذاب الأبدان المُحيية لها من موت الرغبة إلى الرأي يكون دائماً متعلّق القلب بربّه معتصماً بحبله ، متوكّلًا عليه في جميع أحواله ، مسنداً ظهره إليه في جميع تصرّفاته ، داعياً له في كلّ أوقاته ، سائلًا إيّاه حوائجه ، مفوّضاً إليه سائر أموره ، فيكون له قربة إلى ربّه ، وحياة لنفسه ، وهدوة لقلبه ، ونجاة من المهالك » « 3 » . فالثمرة الأخرى المترتّبة على نظريّة الحركة الجوهريّة التي أثبتها صدر المتألّهين هي أنّ العالم محتاج إليه سبحانه وتعالى في كلّ آن آن ، ولا يمكن أن تنقطع رحمته عن هذا العالم وإلّا فإنّه سيكون بحكم العدم .
--> ( 1 ) فاطر : 41 . ( 2 ) الزمر : 67 . ( 3 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 216 215 .