السيد كمال الحيدري

207

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

العالم ، وبعد أن أوجده فإنّه لا يحتاج بعد ذلك أي العالم إلى الله تعالى خالقه وموجده . ومن هنا صرّح بعض المتكلّمين بأنّه لو جاز على الله تعالى العدم لما ضرّ وجود العالم بشيء ، فقالوا : إنّ الله تعالى لا يجوز عليه العدم إذ هو واجب الوجود ، ولكن لو فرضنا وفرض المُحال ليس بمحال أنّه يجوز عليه العدم ، فإنّ هذا العالم لا يُعدم ؛ لأنّ العالم المادّي كان محتاجاً إليه في المبدأ وفي الحدوث فقط ، أمّا في البقاء فلا يحتاج إليه . وخالف صدر المتألّهين هذا الرأي بأنّه : أساساً لا يوجد عندنا بقاء بل هو حدوث بعد حدوث وهكذا . . . فالتعبير بالبقاء هو تعبير مسامحيّ لا حقيقة له ولا واقع وراءه ؛ لأنّه في كلّ آن آن يحتاج إلى إفاضة من المبدأ ، فلو انقطع الفيض أو انقطع الخلق آناً ما إذن لانعدم العالم . وكان هذا الرأي انتصاراً كبيراً للفلسفة الإسلاميّة ولفلسفة صدر المتألّهين باعتبار أنّ هذا المفهوم لم يكن موجوداً في كلمات الحكماء السابقين ولا في كلمات المتكلِّمين الذين سبقوا صدر المتألّهين ، بل له إشارات كثيرة في القرآن وفي الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام ، إلّا أنّ هذا الموضوع النقلي السمعي في القرآن والروايات لم يستطع أن يُقيم الدليل العقلي البرهاني عليه أحد من المتكلّمين والفلاسفة ، وببركة هذه المباني التي ذكرها صدر المتألّهين صار هذا الأمر النقلي قطعيّاً لا مجال للمناقشة فيه . يقول صدر المتألّهين : « وهمٌ وتنبيه : ما أشدّ في البطلان وأغرز في الهلاك والفساد من جملة الآراء الخبيثة والعقائد الرديّة المُهلكة لنفوس معتقديها من يتوهّم أنّ العالم مُستقلّ بذاته مُستغنٍ في وجوده عن فيض باريه بالحفظ والإدامة والإمساك والإبقاء ، فإنّ هذا الاعتقاد مع بُطلانه وفساده كما