السيد كمال الحيدري
150
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
فالصورة الذهنيّة للنار هنا تنحلّ بحسب التحليل الذهني إلى مفهومين ، الأوّل مفهوم مختصّ وهو الماهيّة ، والثاني مفهوم مشترك وهو مفهوم الوجود . وحيث إنّه قد ثبت في الأبحاث الفلسفيّة أنّ الماهيّة ( وهي ما يقال في جواب ما هو ) مغايرة مفهوماً للوجود ، وأنّ الوجود يُحمل عليه بالاشتراك المعنوي ، يصحّ التعبير حينئذ عن الماهيّة بالجزء المختصّ ، إذ القضايا تختلف باختلاف الموضوعات لا المحمولات . كما يصحّ التعبير عن الوجود الذي هو المحمول بالجزء المشترك ؛ لأنّه مشترك معنويّ . فهذه الآثار الخارجيّة للنار هل هي ناشئة من الجزء المختصّ أم من الجزء المشترك ؟ وعلى القول الأوّل فالأصالة تكون للماهيّة ، وعلى الثاني تكون للوجود . وإذا ثبتت أصالة أحدهما تثبت اعتباريّة الآخر . وعليه فالاعتباري هنا هو ما لا يكون منشأً لترتّب الآثار بالذات . مثال آخر : عندما يأتي للإنسان تصوّر عن الخارج ، أو يواجه شيئاً في الخارج ، فإنّ هذا الشيء عندما تنطبع صورته في الذهن يحلّله إلى مفهومين ؛ مفهوم أنّه موجود ومفهوم أنّه إنسان أو أنّه شجرة ، فيعبّر عن هذا المفهوم الخارجي بمفهومين ، فيقول : الشجر موجود ، أو الإنسان موجود ، بمعنى أنّ له تحقّقاً وواقعيّة ، وله منشأ أثريّ في الواقع الخارجي . هذان المفهومان وقع الخلاف بين الحكماء في أيّهما الأصيل في الواقع الخارجي ، أو أيّهما له مصداق في الواقع الخارجي ، فيكون الآخر تحليلًا عقلياً واعتباراً من العقل ، وليس له واقع في الخارج ؟ فالواقع الخارجي الواحد مصداق لأيّ الحيثيّتين ؛ الحيثيّة المشتركة أم الحيثيّة المختصّة ؟ أصحاب الاتّجاه الأوّل يقولون ب « أصالة الوجود واعتباريّة الماهيّة » ، وأصحاب الاتّجاه الثاني يقولون ب « أصالة الماهيّة واعتباريّة الوجود » .