السيد كمال الحيدري

141

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

وهنا تبرز عبقريّة هذا الفيلسوف الربّاني ؛ لأنّ كلّ المباني للمدّعيات العرفانيّة النظريّة الواردة في كلمات الشيخ الأكبر محيي الدِّين ابن عربي أو غيره من تلامذة هذه المرحلة من أمثال القيصري شارح كتاب الفصوص ليس هناك أيّ دليل أو برهان يثبتها بالمنهج العقلي ، وهذه المباني التي جاء بها صدر المتألّهين من قبيل أصالة الوجود ووحدة الوجود ، والمعاد الجسماني ، وبسيط الحقيقة كلّ الأشياء ، وأنّ النفس مادّية الحدوث روحانيّة البقاء ، وأنّ العلم مجرّد بكلّ مراحله من التعقّل والخيال والحسّ . . . كلّ هذه المباني موجودة في كتب هؤلاء العرفاء من غير أدلّتها ، ولكنّ صدر المتألّهين تميّز بذكرها وإيرادها مع أدلّتها . وبقيت الحكمة المشّائية بذلك أسيرة للعقل ، فيما بقيت الحكمة الإشراقيّة أسيرة الكشف والدعوى ، إلّا في مدرسة صدر المتألّهين التي لها منبعان : العقل والقلب . والمتكلِّمون وإن كانوا قد سبقوا صدر المتألّهين في الاستفادة من المنهج العقلي لإثبات كلّ ما ورد في المعارف في الآيات والروايات ، لكنّ هناك فرقاً بين وظيفة المتكلِّم ووظيفة الحكيم . فصدر المتألّهين دخل إلى المعارف الدينيّة بعنوان كونه فيلسوفاً لا متكلِّماً ، أمّا المتكلِّم فدخل إليها على أساس اعتبارها من المسلّمات التي يريد أن يدافع عنها . هذه المعارف بالنسبة إلى صدر المتألّهين هي قواعد فلسفيّة عقليّة مبرهنة . لقد تزوّد بسلاح العقل وجاء إلى هذه المعارف ، فما وجدها تتوافق مع العقل والبرهان العقلي قبلها ، وما وجدها لا تتوافق حاول أن يتصرّف في ظهورها . فالمتكلِّم ينطلق من النصّ ، والحكيم ينطلق من العقل لا من النصّ ، ويستفيد من الدِّين كمنبع من منابع المعرفة ، فإن ثبتت الدعوى بالعقل والبرهان قبِلَها ، وإلّا ردّها أو انصرف عنها .