السيد كمال الحيدري

142

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

ولذا كان المنبع الثالث من منابع المعرفة عند صدر المتألّهين هو الدِّين ، فجمع بين « البرهان » و « العرفان » و « القرآن » ، أي « المعارف » التي جاءت في القرآن الكريم وفي الروايات الشريفة . يقول في بعض كلماته : « وحاشا الشريعة الحقّة البيضاء أن تكون أحكامها مصادمة للمعارف اليقينيّة الضروريّة ، وتبّاً لفلسفةٍ تكون قوانينها غير مطابقة للكتاب والسنّة » « 1 » . فهو يعتقد أنّ كلّ ما جاء في القرآن وفي الروايات قابل لإقامة البرهان العقلي عليه ، وهي ليست مجرّد مدّعيات فقط ، أو ما يعبَّر عنها بأنّها أُمور ميتافيزيقيّة وخارجة عن القدرة فيجري التعبّد بها من حيث إنّ الشارع المقدّس أمرنا بالإيمان بها . كلا ، الأمر ليس كذلك . ومن هنا سمّيت هذه المدرسة بالحكمة المتعالية ، وهي لم تكن موجودة ، بل هي مستحدثة على يد صدر المتألّهين . نعم ، في كلمات الشيخ الرئيس ابن سينا وردت هذه العبارة في كتاب الإشارات ، في مبحث الوجود وعلله حيث يقول : « ثمّ إنّ ما كان يلوحه ضربٌ من النظر مستوراً إلّا على الراسخين في الحكمة المتعالية » « 2 » . وفي شرح هذه العبارة يقول المحقّق الطوسي رضوان الله تعالى عليه : « وإنّما جعل هذه المسألة من الحكمة المتعالية لأنّ حكمة المشّائين حكمة بحثيّة صرفة ( أي منبعها العقل ) وهذه أي المسألة التي أشار إليها ابن سينا وأمثالها إنّما تتمّ مع البحث والنظر بالكشف والذوق ( أي لابدّ أن نجمع فنأخذ هذا المنبع وذاك ، ثمّ نقيم البرهان على ما يدّعيه الكاشف .

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية ، مصدر سابق : ج 8 ، ص 303 . ( 2 ) الإشارات ، مصدر سابق : ج 3 ، ص 409 .