السيد كمال الحيدري

140

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

تريد أن تتعرّف على المؤثّر من خلال الأثر ، والثانية تريد التعرّف عليه من خلال وجدان المؤثِّر ، لا من خلال خصائصه . فهاتان المدرستان منفصلتان بعضهما عن بعض ، فلا المدرسة المشّائيّة استطاعت أن تقترب من المدرسة العرفانيّة ، ولا المدرسة العرفانية استطاعت أن تثبت بالبرهان والدليل ، ما وصلت إليه بالوجدان والقلب وبالمكاشفة والعرفان ، ولا أن تقيم الدليل على مدّعياتها ولا أن تثبت ذلك بالأدلّة ، وغاية ما قالته أنّ دليلها على ما تقول هو الوجدان . إلى أن جاء صدر المتألّهين فأخذ الحكمة المشّائيّة البحثيّة كاملة ، وكان مع ذلك عارفاً فاستطاع أن يكتشف أو يصل بالوجدان وبالعرفان إلى هذه المدّعيات ، ثمّ أقام برهاناً على صحّتها . فالدعاوى التي كانت تدّعيها المدرسة العرفانيّة لم تكن عندها من الأدلّة ما يثبتها ، فصارت مقولاتها غير قابلة للانتقال ؛ وذلك من قبيل البصير الذي يرى الشيء ثمّ يقول للأعمى : أنا رأيت كذا ، فيقول له الأعمى : ما الدليل ؟ فيُجيب : أنت لا بصر لك حتّى أُريك ما أراه . ولكنّ لسان حال صدر المتألّهين لصاحب الحكمة المشّائيّة البحثيّة : أنا أرى الشيء ، وأعبّر عنه بلغتك ؛ لأنّك قادر على رؤية ما أرى بالاستدلال والمنطق ؛ فإنّ لغة الاستدلال والمنطق هي لغة المشّائين ، وبها خاطبهم صدر المتألّهين وأثبت مقولات العرفاء من خلال العقل أو البرهان ، واستطاع أن يجعل مدّعيات العارف وكشفيّاته بالقلب مدّعيات ثابتة بالمنهج العقلي ، وفي هذا الصدد يقول : « ونحن قد جعلنا مكاشفاتهم الذوقيّة مطابقة للقوانين البرهانيّة » « 1 » .

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية ، مصدر سابق : ج 6 ، ص 263 .