السيد كمال الحيدري

92

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

على الانتحار إذا رأى عدم تحمّله للآلام التي تمرّ بها حياته وإنقاذه من الظروف المؤلمة التي تحيط به فيهرب من هذا الألم من خلال الانتحار ، وسرّ ذلك يكمن في أنّ المنتحر لا يجد أمامه طريقه تخلّصه من هذا الألم إلّا الانتحار ، وهذا المعنى يوجد أيضاً عند تناول الإنسان للدواء المرّ ، وليس ذلك إلّا لأجل رفع الألم الحاصل عنده ، فلو لم يكن الإنسان محبّاً لذاته لما سعى لرفع الألم والنقص الحاصل عنده . وخلاصة الفكرة أنّ الإنسان إذا وجد في نفسه ميلًا شديداً نحو العلم أو إلى الأخلاق أو الفنّ أو الجمال ، فإنّ هذا الميل هو شعبة نابعة من ذلك العشق للكمال وإشعاعة من إشعاعاته ، كلّ ذلك نتيجة حبّ الإنسان لذاته الذي يدفع بالإنسان إلى كسب كمالات ذاته ودفع النقص عنها . اختلاف الناس في تشخيص الكمال بعدما تقدّم في مطاوي البحث أنّ الإنسان مفطور على حبّ الكمال ورفع النقص عن نفسه ، ينبغي الإلفات إلى شئ مهمّ ، وهو أنّ الناس يختلفون في تحديد وتشخيص مصداق الكمال والنقص . فكلّ إنسان يطلب الكمال والسعادة ويسعى إلى تحقيقها ، إلّا أنّ الشئ المهمّ هو الاختلاف في تحديد مصداق ذلك الكمال والسعادة ، فالبعض يحسب أنّ كماله في الثروة والمال فيتفانى في سبيل تحصيلها وبعض يرى كماله في الجاه والسلطة ، والبعض يرى كماله في العلم وهكذا ، والسبب في ذلك هو أنّ في المرء جنوحاً في الغرائز وتقلّباً في الأهواء ، كذلك له طباع يرثها من أسلافه وقد تكون رديئة ، ولديه تقاليد يألفها من مجتمعه وقد تكون مذمومة ، وله عادات يكسبها بإرادته وقد تكون ساقطة ، كلّ ذلك يؤثّر في تحديد وتشخيص الإنسان لكماله الحقيقي .