السيد كمال الحيدري
93
فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)
إذاً حاصل هذه المقدّمة أنّ الإنسان يحبّ وجوده وكمالات وجوده ويهرب من عدم وجوده ، ومن عدم كمالات وجوده ، إلّا أنّه يخطئ في تشخيص مصداق ذلك الكمال . المقدمة الثالثة : الإنسان يطلب الكمال اللامتناهى وهذه المقدّمة يشهد لها الوجدان والتجربة ، حيث نجد أنّ هنالك شعوراً واضحاً في أعماق كلّ إنسان ، وهو أنّ الإنسان لا يحبّ الأمور المحدودة والمعرّضة للزوال ، وإنّما هو عاشق للسعادة اللا محدودة والحياة اللا محدودة ، وقد نقل القرآن الكريم عن بني إسرائيل أنّهم كانوا يحبّون أن تطول أعمارهم ، كما قال تعالى : ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ « 1 » ومن الواضح أنّ التعبير بهذا العدد كناية عن الكثرة ، وهذه رغبة عامّة مركوزة في أعماق كلّ إنسان ، فلو حصلت للإنسان القدرة على إدارة كلّ الأرض لأراد الاقتدار على السماء ، وعلى الكواكب والنجوم وهكذا ، ولو خطر بباله وجود عالم آخر لطلب الاقتدار عليه ولا يتوقّف طلبه عند حدّ ، فهو يطلب علماً غير محدود وقدرة غير محدودة وجمالًا غير محدود . وقد أضاءت هذا المعنى جملة وافرة من الروايات ، منها ما روى عن سليم بن قيس قال : « سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : منهومان لا يشبعان ، طالب دنيا وطالب علم ، فمن اقتصر من الدنيا على ما أحلّ الله له سلم ، ومن تناولها من غير حلّها هلك ، إلّا أن يتوب أو يراجع ، ومن أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجا ، ومن أراد به الدنيا فهي حظّه » « 2 » .
--> ( 1 ) البقرة : 96 . ( 2 ) الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ص 46 .