السيد كمال الحيدري

90

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

وفى الاصطلاح القرآني : الفطرة هي الكيفية التي خُلق الناس عليها . ومن أهمّ أحكام الفطرة أنّها شاملة لكلّ أفراد البشر ، فلا يخلو منها أحد ، ولا تختصّ بطائفة معيّنة من البشر أو فئة خاصّة ، لذا يقول تعالى : ( فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا « 1 » مضافاً إلى أنّ الأحكام الفطرية لا تحتاج لتعليم ، وأنّها لا تتغيّر ولا تتبدّل نتيجة العوامل الخارجية والداخلية والبيئية ، فلا يمكن تبديل الفطرة وإماتتها بنحو يكون هذا الإنسان غيره ، نعم يمكن دفنها ودسّها كما عبّر القرآن الكريم ، بقوله : ( وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا « 2 » أي دفنها ، فالأمر الفطري لا تبديل له كما قال تعالى : ( لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ « 3 » . والنقطة الجديرة بالذكر ، هي أنّه بالرغم من عدم وجود اختلاف في الأمور الفطرية ، إلّا أنّ الناس غافلون عن ذلك ويظنّون أنّهم مختلفون ، ما لم ينبّههم أحد إلى ذلك ، فيدركون أنّهم كانوا متّفقين رغم اختلافهم في الظاهر ؛ لذا قال تعالى : ( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ « 4 » . ومن أبرز الأمور التي فطر الله الناس عليها ولا يمكن تبدّلها ، أنّ فطرة الإنسان تعشق وتحبّ الكمال ، وهو شعور يلتقى عليه جميع أفراد البشر ، وقد عبّر القرآن الكريم عن الفطرة بتعبيرات مختلفة ، فتارة عبّر عنها بالفطرة وأخرى بالصبغة ) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ « 5 » وأخرى مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً « 6 » .

--> ( 1 ) الروم : 30 . ( 2 ) الشمس : 10 . ( 3 ) الروم : 30 . ( 4 ) الأعراف : 187 . ( 5 ) البقرة : 138 . ( 6 ) آل عمران : 67 .