السيد كمال الحيدري
86
فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)
الطريق الأول : أن يوصل الله تعالى الأوامر والنواهي التي تحقّق للإنسان كماله اللائق به إلى جميع أفراد الإنسان بنحو مباشر ، بمعنى أن يرتبط كلّ إنسان ارتباطاً مباشراً مع الله الباري ويخبره تعالى بهذه القوانين . إلّا أنّ هذا الطريق غير ممكن ، وبعبارة أدق إنّ الحكمة الإلهية لم تقتضِ هذا الطريق ؛ لأنّه خلاف النظام الأحسن . الطريق الثاني : هو أن يبعث الله إلى الناس شخصاً من نبىّ أو رسول يقوم بهداية الناس إلى مصالحهم ومنافعهم وما ينبغي فعله وما لا ينبغي ، وهذا الطريق هو الموافق للحكمة الإلهية وللنظام الأصلح ولا سبيل سواه . إذاً لا محيد عن النبوّة ؛ لأنّ مصدر التشريع في الدين هو الله تعالى ، وليس بمقدور الناس أن يتفهّموا دينهم عن الله تعالى مباشرة دون وسيط . فالنبوّة سفارة عن الله تعالى تقوم بشرح العقيدة وإبلاغ الشريعة ، وإيضاح الحجّة ، ودعوة الناس إلى الله تعالى ، وبذلك يكون قول النبي سنداً لثبوت كلّ رسم من رسوم الدين وكلّ بند من بنود الشريعة ، فهو النموذج الأعلى الذي أعدّه الله للناس ليصوغوا أنفسهم على مثاله ، بأقواله يهتدون وبأعماله يقتدون ، كما قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ) « 1 » . وكلّ ذلك يدلّنا على أنّ الدين وبعث الرسل ضرورة لا غناء للبشر عنها ؛ لذا ورد في الرواية عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبتّ الأنبياء والرسل ؟ قال : « إنه لما أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً ، لم يُجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه ، فيباشرهم
--> ( 1 ) الأحزاب : 46 45 .