السيد كمال الحيدري

76

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

ويرشد إليه قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ » « 1 » . إذاً القانون الأول من قوانين النشأة الآخرة هو قانون تجسّم الأعمال ، والمراد من الأعمال هي الأعمّ من الجوانح والجوارح الشاملة للعقائد والملكات والأعمال الخارجية وأنّ العمل سواء كان خيراً أم شرّاً في هذه النشأة وإن انتهت مدّته إلّا أنّه في تلك النشأة باقٍ ويرجع إلى صاحبه كما قال تعالى : ( وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) « 2 » فكلّ شئ يعمله الإنسان فهو باقٍ بحسب قوانين تلك النشأة ، فالأعمال ليست محدّدة بمدّة معيّنة وإنّما هي باقية لا تنتهى « إنّما هي أعمالكم ترد إليكم » « 3 » . القانون الثاني : قانون مجازاة الأعمال وهو من القوانين التي يعجز العقل والتجربة من اكتشافها ، وهذا القانون يعكس مضمونه جملة وافرة من الآيات والشواهد الروائية ، التي تؤكّد أنّ بعض الأعمال من طاعات ومعاصٍ تكون سبباً في انتقال حسنات أو سيّئات فاعلها إلى الغير أو انتقال حسنات الغير أو سيّئاته إلى فاعل تلك الحسنات أو السيّئات ، وفيما يلي نتعرّض لبعض الموارد : 1 بعض المعاصي التي يرتكبها الإنسان في الدنيا كالارتداد تحبط حسناته . فالإنسان المرتدّ تحبط حسناته ؛ قال تعالى : ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) « 4 » .

--> ( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 71 ص 292 291 . ( 2 ) الكهف : 49 . ( 3 ) التوحيد ( إملاء الإمام الصادق عليه السلام على المفضّل بن عمر الجعفي ) ، مؤسسة الوفاء ، بيروت لبنان ، الطبعة الثانية ، 1404 ه : ص 85 ؛ بحار الأنوار : ج 3 ص 90 . ( 4 ) الميزان ، مصدر سابق : ج 2 ص 176 .