السيد كمال الحيدري
151
فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)
وكلّما تقدّمت خطوة إلى الأمام ازداد نموّها وكبر استعدادها . فالعمل بالقوانين النابعة من الوحي التي تحتاجها البشرية حاجة ثابتة ، لكن السبب في عدم نزولها جميعاً في مراحلها الأولى هو أنّ البشرية كانت في مرحلة الطفولة ، وهى غير مستعدّة لتلقّى جميع تلك القوانين والأحكام دفعة واحدة ، ولو نزلت دفعة واحدة ما كانت تستطيع تطبيقها أبداً ، إذاً ما دام الإنسان في تكامل مستمرّ أو في تطوّر مستمرّ فهو يحتاج إلى نظام معيّن ى كلّ مرحلة من مراحل نموّه ، يختلف عن النظام الذي سبقه ، والنظام الذي يلحقه . فالدين يتدرّج في تقديم هدايته تبعاً لاقتضاء الحاجة في المجتمع البشرى ، ولو أعطته غذاء الرجولة في دور الطفولة لكان ذلك خلاف الحكمة ، وعلى هذا المنهاج الطبيعي ، وعلى هذه السبل الرشيدة ، أنزلت السماء شرائعها للإنسان ، فأعطته في كلّ عهد ما يلائمه ، وكان دور الرشد الاجتماعي هو دور الرسالة الكاملة والشريعة الخالدة ، وهذه هي فلسفة تعدّد الشرائع . المبحث الثاني : الطريق لمعرفة النبي تقدّم فيما سبق أنّ الحكمة الإلهية تقتضى تزويد الإنسان بطريق آخر للهداية غير الطريق العقلي ، وهو الوحي الإلهى ، وقد ثبت أيضاً أنّ كلّ الناس غير مؤهّلين لاستقبال الوحي ، فلابدّ إذاً من الوحي لبعضهم وهم الأنبياء ؛ لما علم الله تعالى فيهم من الاستعداد والكفاءة في تحمّل هذه المسؤولية ، ثمّ يرجع الآخرون إلى النبىّ الموحى إليه . ولمّا كان الوحي الإلهى أمراً غير محسوس للآخرين ، فلابدّ إذاً من طريق يمكن من خلاله أنّ نعرف من هو الشخص الموحى إليه ، الذي أصبح نبياً ؟ وهنا يأتي دور المعجزة .