السيد كمال الحيدري

207

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)

غامضٌ من أقسام التقدّم والتأخّر لا يعرفه إلّا العارفون الراسخون ، فإنّ للحقّ تعالى عندهم مقاماتٍ في الإلهيّة - كما إنّ له شؤوناً ذاتيّة أيضاً لا ينثلم بها أحديّته الخاصّة ، وبالجملة وجود كلّ علّةٍ موجبة يتقدّم على وجود معلولها الذاتي هذا النحو من التقدّم ؛ إذ الحكماء عرّفوا العلّة الفاعلة بما يؤثّر في شيء مغاير للفاعل ، فتقدّم ذات الفاعل على ذات المعلول تقدّمٌ بالعلّية ، وأمّا تقدّم الوجود على الوجود فهو تقدّمٌ آخر غير ما بالعلّية ، إذ ليس بينهما تأثير وتأثّر ولا فاعليّة ولا مفعوليّة ، بل حكمها حكم شيءٍ واحدٍ له شؤون وأطوار وله تطوّر من طور إلى طور ، وملاك التقدّم في هذا القسم هو الشأن الإلهي . وإذا عرفت معنى التقدّم في كلّ قسمٍ ، عرفت ما بإزائه من التأخّر ، وعرفت المعيّة التي بإزائهما بحسب المفهوم » « 1 » . وقال المحقّق السبزواري في تعليقته على الأسفار : « المعيار في كون هذا التقدّم ضرباً آخر هو كون المتقدّم والمتأخّر فيه حكم شيء واحد ، بخلافهما في الضروب الباقية » « 2 » . وقد ذكر الشيخ حسن زادة الآملي سبب كون هذا القسم من التقدّم والتأخّر غامضاً حيث قال : « أقول : وجه كون هذا الوجه غامضاً هو : أنّ التقدّم بالحقّ والتأخّر به مبتنٍ على التوحيد الصمديّ الذي هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن . وبعبارة أخرى : إنّ هذا الوجه مبتنٍ على كون الوجود وحدة شخصيّة ، وإذا ذقت شهوداً أنّ الوجود واحدٌ شخصيّ ، عرفت أنّ السبق بالحقّ في مقابل الباطل ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 3 ص 257 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 3 ص 257 ، تعليقة رقم ( 1 ) .