السيد كمال الحيدري

206

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)

تعالى ، وليس لعالم الإمكان وجود مستقلّ عن وجود الباري تعالى ، بل عالم الإمكان شأنٌ وتجلٍّ من شؤون وتجلّيات ذاته تعالى ، فالوجود المستقلّ واحدٌ لا غير وهو وجود الباري تعالى ، وهذا من قبيل البحر وأمواجه التي تعطي تشكّلات متعدّدة للبحر ، لكنّ هذه الأمواج ليست شيئاً وراء البحر ، بل هي نفس البحر وشأنٌ من شؤونه . مثال آخر : العدد اثنان هو واحد وواحد ، والثلاثة واحد وواحد وواحد ، وهكذا . . . فالواحد يتشأّن بشؤونٍ مختلفة وأطوارٍ متعدّدة ، وتظهر لكلّ شأنٍ ولكلّ طورٍ أحكام وآثار تختلف عن أحكام وآثار التشؤّنات الأخرى . فعلى هذا المبنى - أنّ المعلول عين الربط بعلتة ، كما في الواجب تعالى وعالم الإمكان - فإنّ المتقدّم هو الواجب تعالى والمتأخّر هو عالم الإمكان . ولا يخفى أنّ التقدّم والتأخّر بالحقّ يفترق عن التقدّم والتأخّر بالعلّية ، وذلك لأنّ المعلول عند صدر المتألّهين ليس له ذاتٌ منحازةٌ عن ذات العلّة بأن يكون هناك ذاتان ، ذاتٌ للعلّة وذاتٌ للمعلول ، بل المعلول عنده من شؤون وجود علّته المفيضة ، لأنّ المعلول عين الربط بالعلّة ، لا ذات ثبت لها الربط بالعلّة ، وإذا كان كذلك لا يمكن أن يكون له ذات وراء ذات العلّة ومنحازةٌ عنها كما تقدّم بيانه مراراً ، وإذا لم يكن له ذات منحازة عن ذات العلّة « بل هو من شؤون وجود العلّة فالعلّية والمعلوليّة ترجع إلى التشؤّن ، لا إلى ما يقوله الحكماء من أنّ للعلّة ذاتاً وللمعلول ذاتاً أخرى مغايرة لذات العلّة ، فبناءً على هذا : الفرق بين التقدّم بالعلّية والتقدّم بالحقّ هو أنّ التقدّم بالعلّية تقدّم ذات على ذات أخرى مغايرةٍ لذات المقدّم ، والتقدّم بالحقّ تقدّمٌ شأنٍ على شأنٍ آخر غير مغاير للمقدّم بحسب الذات . قال صدر المتألّهين : « وثانيهما هو التقدّم بالحقّ والتأخّر به ، وهذا ضربٌ