السيد كمال الحيدري

35

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)

وفرض كونه ممتنعاً ، فلا يقدر الفاعل على إيجاده ؛ لما تقدّم من أنّ القدرة لا تتعلّق بالمحال ؛ لأنّ القدرة تتعلّق بالشيء الممكن بذاته . وعليه : لابدّ أن يكون وصف الإمكان في المقام وصفاً للفعل ( الشيء الحادث ) لا للفاعل ، فالحادث قبل أن يوجَد لابدّ أن يكون ممكن الوجود ، أي : يمكن أن يوجد ، ويمكن أن لا يوجد . بعبارة أخرى : ليس الوجود ضروريّاً له ، ولا العدم ضروريّ له ، وبهذا يثبت أنّ الحادث الزماني لابدّ وأن يسبق بإمكان الوجود . وهذا الإمكان أمرٌ وجوديّ وواقعيّ ، وليس من المفاهيم الاعتباريّة اللاحقة لماهيّة الشيء ؛ وذلك لاتّصافه بالشدّة والضعف والقرب والبعد . ولو كان أمراً اعتباريّاً لما اتّصف بالشدّة والضعف والقرب والبعد ؛ إذ من الواضح : أنّ المضغة والعلقة أقرب من النطفة للإنسان ، والنطفة أقرب من الغذاء الذي يكون نطفة ، ويطلق على الإمكان « القوّة » ، أمّا الموضوع الحامل لهذه القوّة فيسمّى « المادّة » . وقد ذكر هذا البرهان الشيخ الرئيس في إلهيّات الشفاء وفي النجاة ، حيث قال : « فصل : في أنّ كلّ حادثٍ زمانيّ ، فهو مسبوق بالمادّة لا محالة . ولنبرهن على هذا ، فنقول : إنّ كلّ كائن ، فيحتاج أن يكون قبل كونه ، ممكن الوجود في نفسه . فإنّه إن كان ممتنع الوجود في نفسه ، لم يكن البتّة . وليس إمكان وجوده هو أنّ الفاعل قادرٌ عليه ، بل الفاعل لا يقدر عليه ، إذا لم يكن هو في نفسه ممكناً . ألا ترى أنّا نقول : إنّ المحال لا قدرة عليه ، ولكنّ القدرة هي على ما يمكن أن يكون » « 1 » .

--> ( 1 ) النجاة : ص 534 ؛ إلهيّات الشفاء ، المقالة الأولى من الفصل الثاني .