السيد كمال الحيدري

90

شرح كتاب المنطق

إذن الفرق بين الأوّليات وبين المحسوسات والتجريبيات والمتواترات أنّ هذه القضايا لا يصدّق العقل بها بمجرّد تصوّر طرفيها ، بل لابدّ من إقامة الدليل الخارجي عليها ، بخلاف الفطريات فإنّها لا تحتاج إلى دليل خارج عنها ، بل قياساتها وأدلّتها معها . وبهذا يتّضح أنّ القضايا اليقينية على ثلاثة أنواع : النوع الأوّل : ما لا يحتاج إلى دليل ، داخلي ولا خارجي ، بل لا يمكن إقامة الدليل عليها ، وهي الأوّليات . النوع الثاني : ما يحتاج إلى دليل ليس خارجاً ، بل هو ملازم معها . أي أنّ الحدّ الأوسط فيها حاضر لدى الذهن ولا يحتاج إلى عملية الاستدلال ، وهي الفطريات . النوع الثالث : ما يحتاج إلى دليل خارج عنها ، ولكنّ الحدّ الأوسط غائب يحتاج إلى طلب وفكر . وعلى هذا الأساس اتّضح أنّ اليقينيات في المنطق الأرسطي ليست في عرض واحد ، بل بعضها مقدّم على البعض الآخر . أوّلها : الأوّليّات ، وهي أهمّها ، وهي منحصرة في مصداق واحد ، وهو قضية اجتماع النقيضين محال ، كما تقدّم بيانه . وأمّا ما عدا ذلك من اليقينيات ، فكلّه قضايا نظرية بحسب الدقّة تعتمد على تلك القضية . ولهذا نقول : لو جعل المصنّف ( قدّس سرّه ) الفطريات بعد الأوّليات لكان أولى ، ثمّ يرتّب عليها المحسوسات والحدسيات والمتواترات والمجرّبات . وبعبارة أخرى : جميع القضايا هنا تحتاج إلى استدلال ، فتكون نظرية إلّا قضية ) اجتماع النقيضين محال ( لا تحتاج إلى استدلال ولا يمكن إقامة الدليل عليها . ونحن إنّما ذكرنا هذا لنبيّن مبدأ التناقض ، وهو أنّ الأساس والمنهج العقلي والفلسفة كلّها قائمة على هذه النقطة المركزية والقضية المحورية