السيد كمال الحيدري

86

شرح كتاب المنطق

وقعنا فيها آناً ما ، فإنّ إيماننا بها يكون حينئذ واحداً ويكون مختلفاً عن إيماننا السابق بها ، ولهذا قال أمير المؤمنين ومولى الموحّدين علي ( عليه السلام ) : ) لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً ( لأنّه لا غطاء بالنسبة إليه ( عليه السلام ) حتّى ينكشف له فيزداد يقيناً ، وإنّ كلّ الذي أراد أن يراه قد رآه بالوجدان ؛ ولذا قال ( عليه السلام ) في قضية أخرى حينما سئل هل رأيت ربّك ؟ ! : ) كيف أعبد ربّاً لم أره ؟ ( فهو يعبد ربّاً حاضراً لديه بالوجدان . وهكذا شأن العرفاء والأولياء يرون الله بعلم اليقين ثمّ بحقّ اليقين ، ثمّ بعين اليقين ، لا بعين المشاهدة . قال تعالى : كَلَا لَوْ تَعْلَمُونَ علْمَ الْيَقين * لَتَرَوُنَّ الْ - جَحيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقين « 1 » . فعلم اليقين أوّلًا ، ثمّ يحصل بعده عين اليقين ، وعين اليقين لا ينفكّ فيه العلم عن العمل ، والوصول إلى حقّ اليقين وعين اليقين لا يمكن إلّا بالعمل . فالقضايا الحدسية لا يمكن تلقينها لأحد بنحو المذاكرة ، وإنّما يُرشَد الإنسان إلى العلاقة أو الارتباط بين القضيتين ، بأن تأتي به وتجعله يحسّ بحرارة النار . [ فلذلك لو جحد مثل هذه القضايا جاحد ، فإنّ الحادس يعجز عن إثباتها له على سبيل المذاكرة والتلقين ، ما لم يحصل للجاحد نفس الطريق إلى الحدس . وكذلك المجرّبات والمتواترات ، لا يمكن إثباتها بالمذاكرة والتلقين ، ما لم يحصل للطالب ما حصل للمجرّب من التجربة ، وللمتيقّن بالخبر من التواتر . ولهذا يختلف الناس في الحدسيات والمجرّبات والمتواترات وإن كانت كلّها من أقسام البديهيات ] . ومن هنا يشير المصنّف إلى نكتة أساسية وهي : صحيح أنّنا جعلنا الأوّليات والمجرّبات والتجريبيات والحدسيات والمتواترات . . . في عرض واحد ، لكنّها في الواقع ليست كذلك ، لأنّ هذه

--> ( 1 ) التكاثر : 5 - 7 .