السيد كمال الحيدري

12

شرح كتاب المنطق

ونقرّب المعنى بالنجّار فإنّه عندما يصنع شيئاً ، لابدّ أن يكون له مادّة وهو الخشب الذي يشتغل فيه ، وله هيئة وهي صورة السرير أو الكرسيّ أو غيرهما . وكذا البنّاء عندما يريد بناء دار ، لابدّ أن يكون لديه مادّة وهي الجصّ والآجر ، وله هيئة وهي الفنّ الخاصّ الذي يبني فيه البيت أو العمارة . إذن كلّ صنعة تتعلّق بمادّة وهيئة . وبحسب اختلاف كلّ منهما ، يختلف المصنوع فتختلف الصنعة . وبعبارة أخرى : إذا اختلفت المادّة ، كان نحو من الصنعة ، وإذا اختلفت الهيئة كان نحو آخر من الصنعة . فربّما كانت الصورة وكيفية الاستدلال فاضلة وكاملة ولم تكن المادّة كاملة ، كما لو وُضعت خرائط بيت يراد بنيانه على أكمل وجه ، ولكنّه بني من موادّ فاسدة ، فلا يمكن أن يبقى مدّة طويلة وإن استعملت في بنائه وعمارته أفضل الطرق الهندسية . وربما بني من أفضل الموادّ ، ولكنّ بناءه لم يكن بطريقة هندسية فنيّة محكمة ، فلا يمكن أن يقاوم أقلّ هزّة ، ولا يمكن أن يحقّق الغرض المطلوب من بنائه ؛ لفساد صورته . وربما يجتمع فساد المادّة وفساد الصورة . إذن كما ينبغي أن يبنى البيت من أفضل الموادّ وبأفضل الطرق الهندسية لكي يكون البناء محكماً ويحقّق الغرض والغاية القصوى من بنائه ، كذلك لابدّ أن تكون عملية الاستدلال محكمة . وهذا ما نحتاج فيه إلى المادّة والهيئة معاً ، أي نحتاج إلى القياس وإلى البرهان معاً ، ليتحقّق الغرض منه . وإنّما ذكرنا هذه المقدّمة لنبيّن أهمّية هذا الجزء ( الثالث ) من علم المنطق ، باعتبار أنّ البرهان يمثّل الركن الثاني في المنطق . ولكن ممّا يؤسف له في كثير من الأحيان أنّ الطالب يكتفي بهيئة القياس فقط ، وأمّا مادّته المرتبطة بالبرهان فلا يعير لها أيّة أهمّية تذكر ، كما أشرنا إليه ! أمّا المراد من المادّة فسوف يأتي بيانه في محلّه ، واعلم أنّه [ تقدّم أنّ للقياس مادّة وصورة . والبحث عنه يقع من كلتا الجهتين . وما تقدّم في