الشيخ الأميني

292

الغدير

وأما التقديس والمعجزات فليسا من الغلو في شئ فإن القداسة بطهارة المولد ، ونزاهة النفس عن المعاصي والذنوب ، وطهارة العنصر عن الديانا والمخازي لازمة منصة الأئمة ، وشرط الخلافة فيهم كما يشترط ذلك في النبي صلى الله عليه وآله . وأما المعجزات فإنها من مثبتات الدعوى ، ومتمات الحجة ، ويجب ذلك في كل مدع للصلة بينه وبين ما فوق الطبيعة ، نبيا كان أو إماما ، ومعجز الإمام في الحقيقة معجز للنبي الذي يخلفه على دينه وكرامة له ، ويجب على المولى سبحانه في باب اللطف أن يحقق دعوى المحق بإجراء الخوارق على يديه ، تثبيتا للقلوب ، وإقامة للحجة ، حتى يقربهم إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية ، لدة ما في مدعي النبوة من ذلك ، كما يجب أيضا أن ينقض دعوى المبطل إذا تحدى بتعجيزه كما يؤثر عن مسيلمة وأشباهه . وإن من المفروغ عنه في علم الكلام كرامات الأولياء ، وقد برهنت عليها الفلاسفة بما لا معدل عنه ويضيق عنه المقام ، فإذا صح ذلك لكل ولي ، فلماذا يعد غلوا في حجج الله على خلقه ؟ وكتب أهل السنة وتآليفهم مفعمة بكرامات الأولياء ، كما أنها معترفة بكرامات مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه . وأما الاستغاثة والنداء والانقطاع وما أشار إليها فلا تعدو أن تكون توسلا بهم إلى المولى سبحانه ، واتخاذهم وسائل إلى نجح طلباتهم عنده جلت عظمته ، لقربهم منه ، وزلفتهم إليه ، ومكانتهم عنده ، لأنهم عباد مكرمون ، لا لأن لذواتهم القدسية دخلا في إنجاح المقاصد أولا وبالذات ، لكنهم مجاري الفيض ، وحلقات الوصل ، ووسايط بين المولى وعبيده [ كما هو الشأن في كل متقرب من عظيم يتوسل به إليه ] وهذا حكم عام للأولياء والصالحين جميعا ، وإن كانوا متفاوتين في مراحل القرب ، كل هذا مع العقيدة الثابتة بأنه لا مأثر في الوجود إلا الله سبحانه ، ولا تقع في المشاهد المقدسة كلها من وفود الزائرين إلا ما ذكرناه من التوسل ( 1 ) ، فأين هذه من مضادة التوحيد ! ؟ وأين هؤلاء من الخصومة معه ومع أهله ؟ ! فذرهم وما يفترون إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون .

--> ( 1 ) فصلنا القول في ذلك في الجزء الخامس من كتابنا هذا .