السيد كمال الحيدري

44

شرح كتاب المنطق

ما وصلنا إليه من المعارف في زماننا الحالي ، نصل إلى ما هو أكثر منه بعد خمسين عاماً مثلًا . فإذا أردت أن تتعرَّف على جزء من أجزاء العالم وفرضنا أنّ أجزاءه مترابطة ، فالمعرفة الكاملة للجزء إنّما تكون بمعرفة جميع الأجزاء ، ومن غير معرفة جميع الأجزاء والارتباط الذي يحكمها ، لا تكون المعرفة كاملة ، نظير اكتشاف بعض الأدوية الخافضة للحرارة أو المضادّة لوجع الرأس مثلًا ، حيث يكتشف بعد فترة تأثيراتها السلبية التي قد تؤدّي إلى الأمراض الخبيثة أو الموت ، ولا يمنع الشرع من تناول دواءٍ كهذا في أوّل أزمنة اكتشافه ، ولكنه يحرّمه إذا ثبت أنه يفضي إلى التهلكة . والحاصل : إنّ المعرفة بالأشياء لا تقف عند حدّ معيّن ، وإنّ المعارف في ازدياد وتطوّر . وقد صرّح القرآن الكريم بهذه الحقيقة ؛ قال تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم « 1 » فليس بإمكانك أن تدَّعي أنّ معرفتك بالأشياء وصلت إلى آخر درجة في سلّم المعرفة ، وكذلك لا يمكن أن تدّعي عدم وجود عالم آخر وراء عالمنا هذا ، أو تدّعي أن لا وجود لأسرار في عالمنا غير الأسرار التي اكتشفناها ، بل هناك أسرار لا يعرفها إلَّا الخالق سبحانه وتعالى . فدرجات المعرفة لا تنحصر في قسم أو قسمين أو ثلاثة . ولهذا لو سمع العامي - مثلًا - كلمة « الدم » لا يتبادر إلى ذهنه إلّا السائل الأحمر اللون النجس ، بينما لدى أهل الاختصاص له مكوّنات وينقسم إلى كريات بيض وظيفتها حماية الجسم من الميكروبات ، وكريات حمر ، وصفائح ترمّم الجروح . . . وحسب قول بعض أهل الاختصاص : إذا أردت أن تعرف عظمة الله سبحانه وتعالى فانظر إلى الدم وعالمه الخاصّ ووظائفه التي يقوم بها . وإنسان كهذا ، يمكن أن يدوّن معرفته عن الدم بمجلّد أو مجلدين وربما أكثر ، وتزداد هذه المعرفة كلّما تقدّمت

--> ( 1 ) يوسف : 76 .