السيد كمال الحيدري
45
شرح كتاب المنطق
حيث نجد بعضاً منها يخاف من البعض الآخر ، وبعضها يألف البعض الآخر ، فالغزال قد يفرُّ من الذئب لكونه يدرك عداوته له ، فهو ذو علمٍ وهمّي لهذا النحو من الإدراك . نعم وقع الخلاف بين علماء المنطق والفلسفة في إدراك الحيوانات لهذه المعاني الجزئية . ثم يذهب الإنسان وحده في مداركه متميّزاً عن الحيوانات في قوّة العقل والفكر التي يتصرّف من خلالها بمدركاته الحسيّة والخياليّة والوهميّة ويدرك معانيها الكلّية ويميّز الصحيح من الفاسد ، والصواب من الخطأ . توضيحه : إنّ الإنسان قد يدرك شيئاً معيّناً بحسّه ، فيكون إدراكه بالعلم الحسّي جزئياً ، وقد يتخيّل صور بعض الأشياء التي لم يشاهدها قياساً على صور أخرى موجودة في ذهنه ، فيكون إدراكه بالعلم الخيالي ، وقد يدرك معاني جزئية لأمور غير مادية ، فيكون إدراكه لها بالعلم الوهمي ، ولكنّه إذا أدرك مفهوم الحبّ بما هو ، أو مفهوم البغض كذلك ، من دون إضافة إلى معيّن - كحبّ أبيه وبغض عدوّه - فأنّه ينتزع المعاني الكلّية من تلك الجزئيات ، وبهذا يمتاز الإنسان عن غيره من الحيوانات ، ولذا يقال : الإنسان يمتاز عن غيره بإدراك الكلّيات . وعلى هذا ، فحين نقول : إنّ الله تبارك وتعالى جعل الإنسان عالماً ، نعني منحَه القدرة على تحصيل العلم ؛ نحو قولنا : الإنسان ضاحك ، أي : له قابلية وقدرة يستطيع أن يحقّق بها الضحك ، لا أنّه ضاحك بالفعل دائماً ، وكذا قولنا : الإنسان مفكّر عاقل ، نعني به أنّ الله تعالى زوّده بقدرةٍ يستطيع بها أن يكون مفكّراً وعاقلًا لا أنّه مفكّر وعاقل بالفعل . نعم إنّما يكون ذلك بالفعل إذا أدرك الكلّيات ، ولكنّ إدراكه لها بالفعل يكون بعد الكسب وتحصيل العلم . فمن دون العلم لا يتحقّق إدراكها ، ومن