السيد كمال الحيدري
44
شرح كتاب المنطق
يضع يده على شيء بارد يحسّ بنحو آخر مغاير لإحساسه الأوّل ، وعندما يضع يده على شيء خشن يحسّ بنحو من الإحساس ، وعندما يضع يده على شيء ناعم يحسّ بإحساس مغاير لإحساسه السابق . . وهكذا تنقل له حواسّه صور الأشياء فتنفعل بها نفسه ، ثم بعد ذلك وفي مرحلة لاحقة يضع لكلّ واحد من الأشياء التي تأثّر بها التأثير المناسب لفظاً يخصّه ؛ باعتبار أنّ إدراك الطفل في هذه المرحلة غير متقوّم بالألفاظ . وهذه المرحلة نعبِّر عنها بالعلم الإحساسي وهي لا تختصّ بالإنسان فقط بل يشترك معه سائر الحيوانات التي لها جميع تلك الحواسّ . ثم تتوسّع مدارك الطفل ، فيتمكّن من التصرّف في المحسوسات المحفوظة في ذهنه ويتصوّرها وينسب بعضها إلى بعض وإن لم تكن موجودة أمامه . مثلًا : حين يقول الأب لابنه الصغير : « سوف أشتري لعبة لك » نراه يفرح بذلك ، وما ذاك إلا لأنّه أدرك ما أحسّ به سابقاً وتخيّل صورة لتلك اللعبة في ذهنه قد أخذها من مشاهدته لبعض اللُّعب . وهذه المرحلة من الإدراك تسمّى بالعلم الخيالي ، ولا يختصُّ بها الإنسان بل قد يشاركه فيها بعض الحيوانات ، فإنّا نشاهد الكثير من الحيوانات تترك مكانها صباحاً وتعود إليه مساءً ، بل قد يهاجر بعضٌ منها ويترك مكانه الأوّل ويقطع آلاف الكيلومترات ثم يعود إلى نفس مكانه ؛ مما يعني أنّ صورة المكان الأوّل منطبعة في ذهنه - إن جاز التعبير - وهاتان المرحلتان متَّفق عليهما بين المناطقة والفلاسفة . ثم تترقّى مداركه من المحسوسات إلى إدراك المعاني الجزئية والمفاهيم التي لا مادّة لها ولا مقدار مثل حبّ والديه له ، وحزنه ، وفرحه ، إلى غير ذلك من المعاني الجزئية التي يدركها الإنسان بقوّة الوهم ، كغيره من الحيوانات