السيد كمال الحيدري
39
شرح كتاب المنطق
وهذا لم يذكره المصنّف ( رحمه الله ) ، وإنّما أشار إلى أنّ العلم قد يكون حضورياً ، كعلم الله تبارك وتعالى ، كما هو ثابت في الفلسفة وعلم الكلام ، وقد يكون حصولياً ، كعلومنا الكسبية ، وبينهما فرق كبير نوضّحه بذكر بعض الأمثلة : لو جرحت يدك بالسكين ، فستشعر بالألم . فالألم حاضر عندك وليست صورته ، فإذا ذهبت إلى الطبيب وأخبرته عن إصابتك وما تعانيه من ألم ، ترتسم في ذهنه صورة الألم فيصف لك الدواء المناسب . بعبارة أخرى : تحصل في ذهنه صورة الألم لا نفس الألم ، وإلّا لكان هو المتألّم ، لا أنت . فحضور الألم لديك وتألّمك الواقعي نسمّيه « العلم الحضوري » ، وحصول صورته لدى الطبيب نسمّيه « العلم الحصولي » . وقد يجتمعان في شخص واحد ، كما لو اندمل جرح يدك ، فيزول عنك الألم لكنّ صورته باقية في ذهنك . وكما لو شربت العسل ، فتشعر بحلاوته الواقعية الحاضرة لديك ، وتبقى صورتها في ذهنك تتصوّرها ، ولا تزول حتى لو فرغت من شربه . وكما في إحساس الطفل الرضيع بالجوع أو بالألم ، فيبكي بمجرّد الإحساس بهما ؛ مما يدلّ على أنّهما حاضران لديه . إذن فالعلم الحضوري شيء ، والعلم الحصولي شيء آخر ، إلا أنّه وقع الكلام في وجود علقة وتلازم بينهما ، وبإمكان انفكاك العلم الحصولي عن العلم الحضوري وعدم ذلك « 1 » .
--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، تأليف الأستاذ العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي ( قدّسسرّه ) ، صحّحه وعلّق عليه : الشيخ عباس علي الزارعي السبزواري ، الطبعة السابعة عشرة ، 1424 ه - . المرحلة الحادية عشرة ، الفصل الأول ، ص 294 . حيث قال قدّسسرّه : « . . . وانقسام العلم إلى القسمين قسمة حاصرة . فحضور المعلوم للعالم إمّا بماهيته ، وهو العلم الحصولي ، أو بوجوده وهو العلم الحضوري . هذا ما يؤدّي إليه النظر البدوي من انقسام العلم الحصولي والحضوري ، والذي يهدي إليه النظر العميق أنّ الحصولي منه أيضاً ينتهي إلى علم حضوري . . . » .