السيد كمال الحيدري

84

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)

إن قيل : لماذا لا نقول إنّ بين الدليلين تزاحماً لا تعارضاً ، وذلك لأنّ المكلّف لمّا كانت قدرته لا تتّسع إلّا لأحدهما فقط ، فيكون المكلّف مأموراً بكلا التكليفين على نحو الترتّب ، أي : أنّه إذا عصى الأهمّ أو المساوي ، كان الآخر فعليّاً ، كما هو الحال في موارد التزاحم التي لا تتّسع قدرة المكلّف عن امتثال التكليفين كالصلاة والإزالة ، فيكون مأموراً بهما بنحو الترتّب ، بمعنى أنّ فعليّة المهمّ مشروطة بترك أو عصيان الأهمّ أو المساوي . فالجواب على ذلك : أنّ الترتّب - كما تقدّم - يفترض أن يكون التكليفان مختلفين ، أي متعلّقين بموضوعين متغايرين ذاتاً ومصداقاً كالصلاة والإزالة ، فإنّ الصلاة تغاير الإزالة مفهوماً ومصداقاً ، والتزاحم نشأ لعدم امتثالهما معاً لضيق قدرة المكلّف عن امتثالهما معاً ، وإلّا فلو كان الوقت متّسعاً لامتثلهما معاً من دون أيّ محذور . أمّا في مقامنا فإنّ الأمر والنهي متعلّقان بشيءٍ واحدٍ من جهة المفهوم والمصداق ، لذا لا يكون المكلّف قادراً على امتثالهما معاً سواء كان الوقت متّسعاً أم ضيّقاً ؛ لأنّ التضادّ بينهما في هذه الحالة ذاتيّ وليس عرضيّاً ناشئاً عن ضيق الوقت ، ولذا يستحيل أن يكلّف بهما ولو بنحو مشروط ؛ لأنّه من تحصيل الحاصل ؛ لأنّ أحدهما ضروريّ الوقوع والتحقّق ، فإنّه إمّا أن يتحرّك أو لا يتحرّك ولا يوجد شيء آخر بينهما ، بخلاف الإزالة والصلاة فإنّه يمكنه مخالفتهما معاً بأن يفعل شيئاً آخر غير الصلاة والإزالة . وممّا تقدّم يتحصّل : أنّ الملاك في التضادّ بين الأمر والنهي يرجع إلى أحد أمرين : الأوّل : التضادّ والتنافي في المبادئ والملاكات ، أي : المصلحة والمفسدة ، أو المحبوبيّة والمبغوضيّة . الثاني : التضادّ والتنافي في عالم الامتثال والنتائج ، أي : لا يمكن البعث والزجر على شيءٍ واحد ، لضيق قدرة المكلّف .