السيد كمال الحيدري

48

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)

المصلحةِ والإلقاءِ في المفسدة . ولو كانت الأحكامُ الظاهريّةُ ناشئةً من مصالحَ وملاكاتٍ - على ما ادّعيَ - للزمَ التصويب ، إذ بعدَ فرضِ وفاءِ الوظيفةِ الظاهريّةِ بنفسِ ملاكِ الواجبِ الواقعيّ ، يستحيلُ أن يبقى الوجوبُ الواقعيُّ مختصّاً بمتعلّقِه الأوّل ، بل ينقلبُ لا محالةَ ويتعلّقُ بالجامعِ بينَ الأمرين ، وهذا نحوٌ من التصويب . وثانياً : إذا سلّمْنا أنّ ما يفوتُ على المكلّفِ بسببِ الحجّةِ الظاهريّةِ من مصالحَ ، لابدَّ أن تضمنَ الحجّةُ تداركَه ، إلّا أنّ هذا لا يقتضي افتراضَ مصلحةٍ إلّا بقدرِ ما يفوتُ بسببِها ؛ فإذا فرضنا انكشافَ الخلافِ في أثناءِ الوقت ، لم يكن ما فاتَ بسببِ الحجّةِ إلّا فضيلةَ الصلاةِ في أوّلِ وقتِها مثلًا ، لا أصلَ ملاكِ الواقع ، لإمكانِ استيفائِه معها . وهذا يعني : أنّ المصلحةَ المستكشفةَ من قبلِ الأمرِ الظاهريِّ إنّما هي في سلوكِ الأمارةِ والتعبّدِ العمليِّ بها بالنحوِ الذي يجبرُ ما يخسرُه المكلّفُ بهذا السلوك ، وليست قائمةً بالمتعلّقِ وبالوظيفةِ الظاهريّةِ بذاتِها ، فإذا انقطعَ التعبّدُ في أثناءِ الوقتِ بانكشافِ الخلاف ، انتهى أمدُ المصلحة . وهذا ما يسمّى بالمصلحةِ السلوكيّةِ ؛ وعليه فلا موجبَ للإجزاءِ عقلًا . نعم ، يبقى إمكانُ دعوى الإجزاءِ بتوهّمِ حكومةِ بعضِ أدلّةِ الحجّيّةِ على أدلّةِ الأحكامِ الواقعيّةِ وتوسعتِها لموضوعِها - وقد أوضحنا ذلك سابقاً - وهو إجزاءٌ مبنيٌّ على الاستظهارِ مِن لسانِ دليلِ الحجّيّة ، ولا علاقةَ له بالملازمةِ العقليّة . ويأتي دفعُ هذا التوهّمِ عندَ التمييزِ بينَ الحكومةِ الواقعيّةِ والحكومةِ الظاهريّةِ في مباحثِ التعارضِ إن شاءَ اللهُ تعالى .