السيد كمال الحيدري
8
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)
منها : أنّ الافتراضَ المذكورَ يجعلُ الحكمَ المقطوعَ منوطاً بنفسِ القطع ، وهذا أمرٌ يستحيلُ أن يسلّمَ به القاطع ؛ لأنّه يخالفُ طبيعةَ الكاشفيّةِ في القطعِ التي تجعلُ القاطعَ دائماً يرى أنّ مقطوعَه ثابتٌ بقطعِ النظرِ عن قطعِه . ومنها : أنّه يلزمُ الدورُ في مرحلةِ وصولِ التكليف ؛ لأنّ العلمَ بكلِّ تكليفٍ يتوقّفُ على العلمِ بتحقّقِ موضوعِه ، وموضوعُه - بحسبِ الفرضِ - هو العلمُ به ، فيكونُ العلمُ بالتكليفِ متوقّفاً على العلمِ بالعلمِ بالتكليف ، والعلمُ بالعلمِ نفسُ العلم ؛ لأنّ العلمَ لا يُعلَمُ بعلمٍ زائد ، بل هو معلومٌ بالعلمِ الحضوريِّ ؛ لحضورِه لدى النفسِ مباشرة ، وهذا ينتجُ توقّفَ العلمِ على نفسِه . إلّا أنّ كلَّ هذا إنّما يردُ إذا أُخذَ العلمُ بالمجعولِ في موضوعِه ، ولا يتّجهُ إذا أُخذَ العلمُ بالجعلِ في موضوعِ المجعول ، فبإمكانِ المولى أن يتوصّلَ إلى المقصودِ بتقييدِ المجعولِ بالعلمِ بالجعل . وأمّا من لم يأخذْ هذا المخلص بعينِ الاعتبارِ ، كالمحقّقِ النائيني ( رحمه الله ) فقد وقعَ في حيرةِ من ناحيتين : الأولى : أنّه كيفَ يتوصّلُ الشارعُ إلى تخصيصِ الحكمِ بالعالمِ بِه إذا كانَ التقييدُ المذكورُ مستحيلًا ؟ الثانية : أنّه إذا استحالَ التقييدُ استحالَ الإطلاق ؛ بناءً على مختارِه من أنّ التقابلَ بين الإطلاقِ والتقييدِ الثبوتيّينِ تقابلُ العدم والملكةِ ، وهذا يعني : أنّ الجعلَ الشرعيَّ يبقى مهملًا بلا تقييدٍ ولا إطلاق ، فكيفَ يُرفعُ هذا الإهمالُ ويتعيّنُ في المطلقِ تارةً وفي المقيّدِ أخرى ؟ وقد حلَّ ( رحمه الله ) ذلك بافتراضِ جعلٍ ثانٍ يتكفّلُ إثباتَ نفسِ الحكمِ للعالمِ بالجعلِ الأوّلِ ، خاصّةً إذا أُريدَ التقييد ، وللمكلّفِ مطلقاً من حيثُ علمِه