السيد كمال الحيدري

221

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)

الوجوب الغيريّ لمقدّمات الواجب تعريف الواجب الغيريّ اتّضحَ ممّا تقدّمَ أنّ المكلّفَ مسؤولٌ عن مقدّماتِ الواجبِ من قِبلِ نفسِ الوجوبِ المتعلّقِ بها ، لأنّه يحرّكُ نحوَها تبعاً لتحريكِه نحوَ متعلّقِه . وهذه المسؤوليّةُ في حدودِها العقليّةِ متّفقٌ عليها باعتبارِها من شؤونِ حكمِ العقلِ بلزومِ الامتثال . وإنّما وقعَ الكلامُ في دعوى الوجوبِ الشرعيّ للمقدّمة . فالمشهورُ بينَ الأصوليّينَ هو : أنّ إيجابَ الشيءِ يستلزمُ إيجابَ مقدّمتِه ، فتتّصفُ المقدّمةُ بوجوبٍ شرعيّ ، غيرَ أنّه تبعيّ ؛ إمّا بمعنى أنّه معلولٌ لوجوبِ ذي المقدّمة ، أو بمعنى أنّ الوجوبينِ معاً معلولانِ للملاكِ القائمِ بذي المقدّمة ، فهذا الملاكُ بنفسِه يؤدّي إلى إيجابِ ذي المقدّمةِ نفسيّاً ، وبضمِّ مقدّميّةِ المقدّمةِ يؤدّي إلى إيجابِها غيريّاً ، وعلى كلا الوجهينِ فالتلازمُ بينَ الوجوبينِ محفوظ . ويعرّفُ هؤلاءِ القائلونَ بالملازمةِ الواجبَ الغيريَّ : بأنّه ما وجبَ لغيرِه ، أو ما وجبَ لواجبٍ آخر . والواجبَ النفسيُّ : بأنّه ما وجبَ لنفسِه ، أو ما وجبَ لا لواجبٍ آخر ، وعلى هذا الأساسِ يصنّفونَ الواجباتِ في الشريعةِ إلى قسمين : فالصلاةُ والصيامُ والحجُّ ، ونحوها واجباتٌ نفسيّة . والوضوءُ والغسلُ وطيُّ المسافة ، واجباتٌ غيريّة . وقد لوحِظَ عليهم : أنّ الصلاةَ ونحوها من الواجباتِ لم يوجبْها الشارعُ إلّا لما يترتّبُ عليها من الفوائدِ والمصالحِ ، وهي مغايرةٌ وجوداً لتلكَ الفوائدِ والمصالح ، فيصدقُ عليها أنّها وجبت للغير ، وهذا يعني أنّ كلَّ هذه الواجباتِ تصبحُ غيريّةً ، ولا يبقى في نطاقِ الواجبِ النفسيّ إلّا ما كانتْ مصلحتُه ذاتيّةً