السيد كمال الحيدري

53

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)

يكون المكلّف غير قادرٍ على فعله ، كالطيران في السماء بنفسه ، من دون وسيلةٍ للطيران . وهذا من الأُمور الواضحة ؛ إذ العقل يحكم في مثل هذه الموارد بقبح الإدانة من قبل المولى ؛ لأنّ حكم العقل بحقّ الطاعة لا يشمل في دائرته مثل هذه الموارد ، أي أنّ حدود حقّ الطاعة ودائرته ما يقع في إطار قدرة المكلّف ، وأمّا ما يكون خارجاً عن قدرة المكلّف فلا يكون مشمولًا لحقّ الطاعة . هذا هو المعنى الأوّل لاستحالة التكليف بغير المقدور ، أي : استحالة الإدانة على فعلٍ أو تركٍ لا يكون المكلّف قادراً عليه . الثاني : استحالة صدور تشريع وتكليف من المولى غير مقدور للمكلّف ، بمعنى : أنّ الشارع إذا أراد أن يشرّع حُكماً فلابدّ أن يكون مقدوراً وإلّا فلا يصدر منه ، فتكون القدرة - بناءً على هذا المعنى - شرطاً في التكليف في عالم التشريع ، وليست شرطاً في الإدانة فقط ، كما لو أمر الشارع المكلّف بالصلاة في الهواء ، فهو غير مقدور بالنسبة للمكلّف ، وبالتالي يستحيل صدوره منه . قال الشهيد ( قدس سره ) : « يستحيل التكليف بغير المقدور ، وهذا له معنيان : أحدهما : أنّ المولى يستحيل أن يُدينَ المكلّف بسبب فعلٍ أو تركٍ غير صادرٍ منه بالاختيار ، وهذا واضح ؛ لأنّ العقل يحكم بقبح هذه الإدانة ؛ لأنّ حقّ الطاعة لا يمتدّ إلى ما هو خارجٌ عن الاختيار . والمعنى الآخر : أنّ المولى يستحيل أن يصدر منه تكليفٌ بغير المقدور في عالم التشريع ، ولو لم يرتّب عليه إدانةً ومؤاخذةً للمكلّف ، فليست الإدانة وحدها مشروطةً بالقدرة ، بل التكليف ذاته مشروط بها أيضاً » « 1 » . وبهذا يتّضح أنّ مصبّ الاستحالة بناءً على المعنى الأوّل هو المؤاخذة والإدانة على ترك التكليف غير المقدور ، ولا تعرّض له لأصل صدور

--> ( 1 ) دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية : ص 317 .