السيد كمال الحيدري
384
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)
أمّا الأمور التدريجيّة - كالزمان والحركة - ممّا يعدّ من المتصرّم بالذات ، يوجد بين أجزائها تقدّم على البعض ، وهو تقدّم يعبَّر عنه في الاصطلاح بواقع التقدّم ، وليس عنوان التقدّم ومفهومه ؛ لأنّ عنوان التقدّم والتأخّر من المفاهيم المتضايفة ، ولا يعقل انتزاع التقدّم فعلًا بلا انتزاع رديفه ؛ لأنّ المتضائفين متكافئان قوّةً وفعلًا ، وانتزاع كليهما يستلزم وجود أمرٍ انتزاعيٍّ فعلًا ، بلا وجود منشئه . فإن قلت : نرى بديهة صدق قولنا لدى العرف بأنّ اليوم متقدّمٌ على الغد ، وصدق قولنا : إنّ الغد متأخّر ، فهذا يكشف عن بطلان كلتا القاعدتين . قلت : الكلام هاهنا في حكم العقل ومقتضى البرهان لا العرف ، ولا ريب في أنّ مقتضى العقل والبرهان تكافؤ المتضائفين قوّةً وفعلًا ، وعدم إمكان اتّصاف المعدوم بشيء ، وسيأتي حال حكم العرف ، فانتظر . والحاصل : أنّ هذه القطعة الموهومة من الزمان - لأنّ الزمان لا ينقسم إلّا وهماً - كما ثبت في محلّه « 1 » - له التقدّم بالذات إذا كانت القطعة الأخرى موجودة في محلّها ، ولم ينقطع عمود الزمان عليها ، بل جرى على منواله وطبعه . ولا يتوهّم من ذلك : أنّ لما يأتي من الأجزاء تأثيراً في كون هذه القطعة متقدّمة بالطبع ، مع أنّ تأثير المعدوم في الموجود واضح الفساد ؛ إذ المراد : أنّ جوهر الزمان وسنخ وجوده جوهر وسنخ مخصوص ، يكون بعضه متقدّماً جوهراً وبعضه متأخّراً عنه ذاتاً ؛ بحيث يكون كلّ من التقدّم والتأخّر عين ذاته ، كما هو الحال في بعض الأقسام من المقول بالتشكيك . ونتيجة ما تقدّم هو : أنّ الزمان وما شابهه أمرٌ متصرّم الذات ومتقضٍّ بالحقيقة ، له تقدّمٌ وتأخّرٌ بالذات ، لا بالمعنى الإضافي المقولي ؛ وإن كان عنوان
--> ( 1 ) المباحث المشرقيّة : ج 1 ص 678 ؛ الحكمة المتعالية : ج 3 ص 115 - 118 .