السيد كمال الحيدري

34

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)

تُؤثّر في عمليّة الاستنباط عادةً ، لكن لا بمعنى إثبات حكم أو نفيه مباشرةً ، وإنّما تقع مقدّمةً لإثبات الحكم أو نفيه ، وإن شئتَ قلتَ : إنّ وقوع القضايا التحليليّة في طريق الاستنباط يكون بأحد وجهين : الأوّل : أن تقع القضيّة الفعليّة التحليليّة في طريق الاستنباط عن طريق صيرورتها وسيلةً لإثبات قضيّة عقليّة تركيبيّة والبرهنة عليها ؛ بمعنى وقوع نتيجة القضيّة التحليليّة مقدّمةً لقضيّة عقليّة تركيبيّة ، ومن الواضح أنّ القضيّة التركيبيّة تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي ، من قبيل القضيّة القائلة بعدم إمكان أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم ؛ لاستلزام ذلك تقدّم الشيء على نفسه ، أو توقّف الشيء على نفسه ؛ لأنّ علاقة الحكم بالموضوع ، علاقة المتأخّر والمتقدّم ، والعلم بالحكم متأخّرٌ عن الحكم . فإذا أخذنا العلم بالحكم في الموضوع ، يلزم أن يكون المتأخّر متقدّماً ، وهذه قضيّة تحليليّة ، تمّ من خلالها تحليل وتفسير كيفيّة ارتباط الموضوع بحكمه . ونتيجة هذه القضيّة التحليليّة صارت مقدّمةً لإثبات قضيّة تركيبيّة ، وهي استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوعه . وهذا معنى أنّ نتيجة القضيّة التحليليّة تكون واسطةً لإثبات قضيّة عقليّة تركيبيّة والبرهنة عليها . ولبيان ذلك نقول : إنّ الأحكام الشرعيّة منصبّةٌ على موضوعاتها بنحو القضيّة الحقيقيّة ، بمعنى : أنّ الموضوع أُخذ مقدّراً ومفترض الوجود في عالم الجعل والتشريع والاعتبار ، والموضوع هو كلّ المقدّمات والقيود والشروط التي يتوقّف عليها فعليّة الحكم المجعول . فوجوب الحجّ على المستطيع - مثلًا - لا يكون فعليّا إلّا إذا تحقّق في الخارج إنسانٌ مُستطيع ، وأمّا قبل ذلك فلا يكون فعليّاً ، وإنّما هو حكمٌ شرعيٌّ موجودٌ في عالم الاعتبار فقط ؛ لأنّ مثل هذا يُرجع الحكم بالتحليل العقليّ إلى قضيّة حقيقيّة مفادها : أنّه إذا وُجد إنسانٌ مستطيعٌ في الخارج ، فيجب عليه الحجّ .