السيد كمال الحيدري

420

رسائل فقهية

ومن الواضح أن هذا التاجر إذا ترك عمله سوف لا يموت جُوعاً . نعم ، سوف تتوقّف تجارته ، فيقول إنّ عملي يضطرّني إلى الاقتراض من هذه البنوك ، ولكن مع ذلك فإنّ هذا الاضطرار ليس هو الاضطرار الشرعي أو الاصطلاحي ، وكم لهذا من مثيل ، فكثيراً ما يُوجد باعة في الأسواق عندما تسألهم عن ثمن شرائهم للبضاعة يكذبون في إجاباتهم ، وهم يجدون أنفسهم مضطرّين للكذب ، لأنّهم لو صدقوا ربّما تبور بضاعتهم أو لا يربحون كثيراً ، ولذا يكذبون ، ومن الواضح أنّ هذا النوع من الاضطرار لا يُبيح المحظورات ، ولايُوجد فقيه يقول لهؤلاء الباعة : إنّ عملكم صحيح ، أو : أنّ ما تضطرّون إليه في الكذب جائز . إذن يُوجد اضطرار شرعيّ اصطلاحي ، وآخر عرفي تقتضيه طبيعة السوق عندهم ، هذا ما أفاده السيّد الخميني ( رحمه الله ) في مكاسبه حيث يقول هناك : « وأمّا قوله : ونحن مضطرّون إليها ، ليس المراد من الاضطرار هو الذي يحلّ المحظورات ، سيّما في مثل رجل صيقل كان يبيع من السلطان ، بل المراد الاضطرار والاحتياج في التجارة ، ولهذا ترك القاسم العمل بالميتة بمجرد صعوبة اتّخاذ ثوب للصلاة ، بل لا وجه للاضطرار المبُيح للمحظور إلى عمل خصوص الميتة في بلد المسلمين الشايع فيها الجلود الذكيّة . . . بل المراد أنّه لا يجوز عملهم ، ولا تدور تجارتهم ، إلّا مع الابتلاء بها ، فلا يكون المراد الاضطرار بخصوصها » « 1 » . وبذلك يتّضح لنا أنّ إشكاليّة الاضطرار غير واردة في المقام . إشكال دلاليّ آخر والآن بقي علينا أن نجيب عن إشكال آخر أثاره الشيخ الأعظم ( رحمه الله ) في

--> ( 1 ) المكاسب المحرّمة ، للسيّد الإمام الخميني : ج 1 ص 51 .