السيد كمال الحيدري

47

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)

دعاءٌ عامٌّ ، والقنوت دعاءٌ خاصٌّ ، والدعاء العامّ لا قيمة له بدون الدعاء الخاصّ ، وفي كلمته ( ص ) : « ولا يهلك مع الدعاء أحدٌ » ، نتعلّم درساً مهمّاً في كيفيّة تحصيل الوقاية من الهلاك الذي يراد به في المقام الانحراف أو البعد عن الله تعالى أو الوقوع في الفتنة ، وليس الموت ، فمن الواضح بأنّه : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( الأنبياء : 35 ) . ولا يصحّ الاستكبار عن الدعاء وهو مخّ العبادة وحقيقتها ، ولعلّ البعض يأنف عن الدعاء أو يغضّ الطرف عنه اعتماداً على علم الله تعالى بحال العبد ، ولو كان الأمر كذلك لما سُنّ الدعاء ، ولما قال تعالى : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ . . . ( الفرقان : 77 ) ؛ وقد روي عن رسول الله ( ص ) قوله : « يدخل الجنّة رجلان ، كانا يعملان عملًا واحداً ، فيرى أحدهما صاحبه فوقه فيقول : يا ربّ بما أعطيته وكان عملنا واحداً ؟ فيقول الله تبارك وتعالى : سألني ولم تسألني ؛ ثمّ قال : اسألوا الله وأجزلوا ، فإنّه لا يتعاظمه شيءٌ » « 1 » . وقد فسّرت العبادة بالدعاء في قوله تعالى : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ( غافر : 60 ) ؛ فعن زرارة بن أعينٍ عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : « إنّ الله عزّ وجلّ يقول : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ، قال : هو الدعاء ، وأفضل العبادة الدعاء . . . » « 2 » . بقي أن يعلم أنّ عدم إمكان الاستغناء عن الدعاء راجعٌ إلى ذاتيّة الافتقار

--> ( 1 ) عدّة الداعي ، أحمد بن فهد الحلّي : ص 42 . والإجزال الزيادة ؛ أي : وزيدوا في الدعاء والطلب فإنّ جميع ما تطلبونه - ما دام ممكناً وحلالًا - فهو دون عظمته وقدرته المطلقة ؛ ولذلك فهو لا يتعاظمه شيءٌ البتّة . ( 2 ) الأصول من الكافي ، الشيخ الكلينيّ : ج 2 ، ص 466 ، ح 1 .