السيد كمال الحيدري

45

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)

بابٍ أولى عدم إلجاء الآخرين لذلك ؛ فليس من الراجح فرض العبادات المندوبة على الزوجة والأولاد وقهرهم على ذلك ، حتّى في صورة كونك فاعلًا لذلك ، فإنّه لا يكون مسوّغاً لإكراه الآخرين ، وهكذا الحال في إمام الجماعة حيث لا يصحّ منه تأنيب الآخرين على عدم الإتيان بالمستحبّات ، وإنّما عليه أن يرغّبهم بذلك ولا يُسمع منهم أحداً نقداً ، فضلًا عن السخرية بهم ، وإنّما عليه أن يُثني على المشتغلين بالمندوبات . عن محمّد بن سنانٍ عن أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : « قال رسول الله ( ص ) : إنّ هذا الدين متينٌ فأوغلوا فيه برفقٍ ولا تكرّهوا عبادة الله إلى عباد الله ، فتكونوا كالراكب المنبتّ الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى » « 1 » ؛ أي : فالدين ليس صفحةً فتُقرأ ، ولا مسافة ميلٍ فتُقطع ، إنّما هو دين كلّ كمالٍ سابقٍ ولاحقٍ ، فأوفدوا له برحابة صدرٍ واسلكوا طريقه بتأنٍّ ورفقٍ ؛ وبيّن للعيان أنّ القليل مع الدراية والتوجّه خيرٌ من كثيرٍ مع الغفلة أو القلب الساهي . وما أروع وأدقّ كلمة الرسول ( ص ) : « كالراكب المنبتّ الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى » ؛ فالراكب على دابّته وقد ظلّ الطريق لم يبلغ هدفه من جهةٍ ، ولم يرعَ حقّ دابته من جهةٍ أخرى ؛ فأجهدها وأهدر وقته بلا طائلٍ ؛ وهكذا المكرَه على العبادة ، فلا هو منتفعٌ بعبادته ولا هو محتفظٌ بطاقته ؛ فيكون أشبه ما يكون بالصائم المرائي لا يصيبه من صومه غير الجوع والعطش . الرسم الثالث : العبادة إدامة التفكّر بالله تعالى

--> ( 1 ) الأصول من الكافي ، الشيخ الكلينيّ : ج 2 ، ص 86 ، ح 1 . و ( المنبتّ ) : يقال للرجل إذا انقطع به في سفره وعطبت راحلته : قد أنبتّ ، من البتّ بمعنى القطع .