السيد كمال الحيدري

34

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)

نعم ، يبقى الكلام في مسألة الإخلاص - وقد تقدّمت الإشارة لذلك - فهنالك من يرى أنّ قصد نيل الجنّة والخلاص من النار مخرجٌ من دائرة الإخلاص ، ولكنّ الصحيح في المقام أنّ ذلك مخرجٌ عن المراتب العليا للإخلاص ، فمن قصد وجه الله تعالى دون أن يكون طالباً للأجر والثواب والجنّة ، ارتقت به نيّته إلى أعلى مراتب الإخلاص ؛ ومن قصد وجه الله تعالى وطلب الأجر والثواب والجنّة نال مرتبةً من الإخلاص بحسبه . وأمّا من صوّر الإخلاص على مرتبةٍ واحدةٍ فإمّا أن يكون قد خانه التعبير أو غاب عنه التحقيق ، والله أعلم بسائر الأمور . الرسم الثالث : الاعتقاد الراسخ بأنّ عبادته هي الصراط المستقيم قال تعالى : وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( يس : 61 ) ، فعبادته وحده ، وطرد الأغيار عن محضر عبوديّته سبحانه هو الصراط المستقيم الذي يكون معه كلّ خيرٍ ، والخير منازل ومراتب ، وبدونه يكون كلّ شرٍّ ، والشرّ منازل ومراتب ، ومنازل الخير تصاعديّةٌ ، ومنازل الشرّ تسافليّةٌ . الرسم الرابع : أن لا يقع شكٌّ أو استهزاءٌ بفاصلٍ أو منسكٍ عباديّ قال تعالى : . . . وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( النساء : 172 ) ، فالمناسك عموماً نجهل علل وأسرار الأمر بها بهذه الكيفيّة المعيّنة ، كما في الوضوء والتيمّم ورمي الجمرات ، بل وكلّ مناسك الحجّ ؛ غير أنّ الهدف الحقيقيّ الذي نعلمه إجمالًا هو أنّ التلبّس بمظاهرها من أعظم رسوم العبوديّة ، فلا يصحّ وقوع الاستهزاء أو الاستهجان بها ، بل لا يجوز أن يخطر خاطرٌ في القلب عن جدوائيّة ذلك ، حيث يكفي في امتثالها أن يكون الآمر بها السيّد المطاع ، وهو الحكيم الخبير . ومن المعلوم أنّ تجرّع الدواء