السيد كمال الحيدري
33
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
طاعة الله وتعظيمه لذاته ولجلاله ، لا لأمرٍ سواه - من جملة النيّات الصحيحة ؛ لأنّه ميلٌ إلى الموعود في الآخرة وإن كان من جنس المألوف في الدنيا . . . فلو كان مثل هذه النيّات مفسداً للعبادات لكان الترغيب والترهيب والوعد والوعيد عبثاً بل مخلّا بالمقصود ؛ وأيضاً فإنّ أولياء الله قد يعملون بعض الأعمال للجنّة وصرف النار ؛ لأنّ حبيبهم يحبّ ذلك ، أو لتعليم الناس إخلاص العمل للآخرة ، إذا كانوا أئمّةً يُقتدى بهم » « 1 » . ولا ينبغي الإغفال عن البيانات القرآنيّة الحاثّة على الحركة الكماليّة في ضوء الخوف من الله تعالى والطمع في رحمته ، وإنّما الخوف يقع عادةً من عذابه ، والطمع يتعلّق عادةً بجنّته ؛ قال تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( السجدة : 16 ) ؛ وقد كان ديدن الأنبياء والأولياء والصالحين المسارعة إلى فعل الخيرات طلباً لرضا الله تعالى وطمعاً بثوابه ، ومن الشواهد على ذلك : ما عليه النبيّ زكريّا وأسرته ؛ حيث يقول فيهم تعالى : فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ( الأنبياء : 90 ) . وهذا أمير المؤمنين عليٌّ ( عليه السلام ) يصرّح في وصيّته بما يوافق ما قدّمناه ، فقد روى الفضل بن شاذان عن صفوان بن يحيى عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال : « بعث إليّ أبو الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) بوصيّة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهي : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله عليٌّ ابتغاء وجه الله ليولجني به الجنّة ويصرفني به عن النار ، ويصرف النار عنّي يوم تبيضّ وجوهٌ وتسودّ وجوهٌ » « 2 » .
--> ( 1 ) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول : ج 8 ، ص 88 - 90 ، ( باب النيّة ) . ( 2 ) بحار الأنوار ، للعلّامة المجلسيّ : ج 41 ، ص 40 ، ح 19 .