السيد كمال الحيدري
32
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
سبحانه أو التوصّل إلى ثوابه أو الخلاص من عقابه ، وبالجملة امتثال أمر الله تعالى فيما ندب عباده إليه ووعدهم الأجر عليه ، وإنّما يؤجرهم على حسب أقدارهم ومنازلهم ونيّاتهم ، فمن عرف الله بجماله وجلاله ولطف فعاله فأحبّه واشتاق إليه ، وأخلص عبادته له لكونه أهلًا للعبادة ، ولمحبّته له ، أحبّه الله وأخلصه واجتباه وقرّبه إلى نفسه ، وأدناه قرباً معنويّاً ودنوّاً روحانيّاً . . . ومن لم يعرف من الله سوى كونه إلهاً صانعاً للعالم قادراً قاهراً عالماً ، وأنّ له جنّةً ينعّم بها المطيعين وناراً يعذّب بها العاصين ، فعبده ليفوز بجنّته أو يكون له النجاة من ناره ، أدخله الله تعالى بعبادته وطاعته الجنّة وأنجاه من النار لا محالة ، كما أخبر عنه في غير موضعٍ من كتابه ، فإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى ؛ فلا تصغ إلى قول من ذهب إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب ، زعماً منه أنّ هذا القصد منافٍ للإخلاص الذي هو إرادة وجه الله سبحانه وحده ، وأنّ من قصد ذلك فإنّما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عنها لا وجه الله سبحانه ، فإنّ هذا قول من لا معرفة له بحقائق التكاليف ومراتب الناس فيها ، فإنّ أكثر الناس يتعذّر منهم العبادة ابتغاء وجه الله بهذا المعنى ؛ لأنّهم لا يعرفون من الله إلّا المرجوّ والمخوف ، فغايتهم أن يتذكّروا النار ويحذّروا أنفسهم عقابها ، ويتذكّروا الجنّة ويرغّبوا أنفسهم ثوابها ، وخصوصاً من كان الغالب على قلبه الميل إلى الدنيا ، فإنّه قلّما ينبعث له داعيةٌ إلى فعل الخيرات لينال بها ثواب الآخرة ، فضلًا عن عبادته على نيّة إجلال الله عزّ وجلّ لاستحقاقه الطاعة والعبوديّة ، فإنّه قلّ من يفهمها فضلًا عمّن يتعاطاها ، والناس في نيّاتهم في العبادات على أقسامٍ أدناهم من يكون عمله إجابةً لباعث الخوف ، فإنّه يتّقي النار ، ومنهم من يعمل إجابةً لباعث الرجاء ، فإنّه يرغب في الجنّة ، وكلّ من القصدين - وإن كان نازلًا بالإضافة إلى قصد