السيد كمال الحيدري

90

دروس في علم الإمام

مهيمن عليه . من هنا أنّ كلّ مَن أشرف على أغوار شيء وأسراره ، واستولى مع ذلك على تقويم أحواله وأوصافه ، وقام بحفظه على الدوام على مقتضى تقويمه ، فهو مهيمن عليه » « 1 » . وقال الطباطبائي : « هيمنة الشيء على الشيء - على ما يتحصّل من معناها - كون الشيء ذا سلطة على الشيء في حفظه ومراقبته وأنواع التصرّف فيه ، وهذا حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنّه تبيان كلّ شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماويّة ، يحفظ منها الأصول الثابتة غير المتغيّرة ، وينسخ منها ما ينبغي أن ينسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرّق إليها التغيّر والتبدّل ، حتّى يناسب حال الإنسان بحسب سلوكه صراط الترقّي والتكامل بمرور الزمان ؛ قال تعالى : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ الإسراء : 9 ، وقال : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا البقرة : 106 . فهذه الجملة - أعني قوله وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ - متمّمة لقوله مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ تتميم إيضاح ؛ إذ لولاها لأمكن أن يتوهّم مِن تصديق القرآن للتوراة والإنجيل أنّه يصدّق ما فيهما من الشرائع والأحكام تصديق إبقاء من غير تغيير وتبديل ، لكنّ توصيفه بالهيمنة يبيّن أنّ تصديقه لها تصديق أنّها معارف وشرائع حقّة من عند الله ، ولله أن يتصرّف منها فيما يشاء بالنسخ والتكميل » « 2 » . فالقرآن يحفظ جميع الشرائع السماويّة السابقة ويصونها من الانحراف ، بل ويُكمل تلك الشرائع التي تلتقي جميعها في هدف واحد على الرغم من الفوارق الموجودة بينها ، وذلك بمقتضى قانون التكامل التدريجي للإنسان ، وحيث إنّ كلّ شريعة جديدة ترتقي بالإنسان إلى مرحلة أسمى من مراحل

--> ( 1 ) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ، لأبي حامد الغزالي ، حقّقه وقدّم له : الدكتور فضلة شحادة ، الطبعة الثانية ، دار المشرق ، بيروت - لبنان : ص 76 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 348 . .