السيد كمال الحيدري
73
دروس في علم الإمام
أمّا الاحتمال الأوّل ، فهو باطل عقلًا ونقلًا . أمّا عقلًا فلأنّه لو لم يكن الرسول صلى الله عليه وآله معصوماً - ولو في مجال التبليغ على الأقلّ - للزم نقض الغرض ؛ ولذا أجمعت كلمة علماء المسلمين على عصمة النبيّ صلى الله عليه وآله في مقام التبليغ ، وحديث الثقلين إنّما صدر في مثل هذا السياق كما هو واضح من قوله صلى الله عليه وآله للمسلمين : « ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً » وهو إبلاغ وإخبار بوجوب الرجوع إلى الكتاب والعترة . ولقائل أن يقول كما ذكر بعض علماء السنّة : إنّ الثابت أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لا يتعمّد الكذب في مقام التبليغ ، وأمّا في غير حال التعمّد فلا دليل على نفيه . قال الشوكاني : « وهكذا وقع الإجماع على عصمتهم بعد النبوّة من تعمّد الكذب في الأحكام الشرعيّة لدلالة المعجزة على صدقهم ، وأمّا الكذب غلطاً ، فمنعه الجمهور وجوّزه القاضي أبو بكر » « 1 » . والجواب : إنّ هذا الكلام - لو سلّمنا به جدلًا - غير وارد في المقام ؛ لأنّ نصوص حديث الثقلين لم تكن في واقعة واحدة حتّى يُقال بإمكان الاشتباه والغفلة فيها ، بل كرّر النبيّ صلى الله عليه وآله ذلك في مواطن متعدّدة ؛ اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة - كما قال ابن حجر - ومن الواضح أنّ الغلط والاشتباه لا يتأتّى في مثل ذلك . وأمّا بطلانه نقلًا ؛ فلما صرّحت به عدد من الآيات القرآنية كقوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى النجم : 3 ، 4 . وأمّا الاحتمال الثاني ، وهو حصول الاشتباه في إخبار القرآن عن نفسه ، فأيضاً باطل عقلًا ونقلًا . أمّا الأوّل ؛ فلأنّه يلزم الكذب والاشتباه على الله تعالى ، إذ إنّ القرآن هو
--> ( 1 ) إرشاد الفحول : ص 34 ، نقلًا عن الأصول العامّة للفقه المقارن : ص 167 . .