السيد كمال الحيدري

65

دروس في علم الإمام

وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً النبأ : 29 ، فماذا تعني هذه الحقيقة القرآنيّة ، وأنّ كلّ شيء في الكتاب المبين ؟ أهو هذه الأشياء من جهة شهادتها وغيبها جميعاً ، أم هي من جهة غيبها فقط ؟ وبعبارة أخرى : الكتاب المبين أهو هذا الكون المشتمل على أعيان هذه الأشياء لا يغيب عنه شيء منها وإن غاب بعضها عن بعض ، أم هو أمرٌ وراء هذا الكون مكتوبة فيه هذه الأشياء نوعاً من الكتابة ، مخزونة فيه نوعاً من الخزن ، غائبة عن شهادة الشهداء من أهل العالم ؟ بلفظ آخر : الأشياء الواقعة في الكون المعدودة بنحو العموم في الآية ، أهي واقعة بنفسها في الكتاب المبين كما تقع الخطوط بأنفسها في الكتب التي عندنا ، أم هي واقعة بمعانيها فيه كما تقع المطالب الخارجيّة بمعانيها بنوع من الوقوع في ما نكتبه من الصحائف والرسائل ، ثمّ تطابق الخارج مطابقة العلم العين ؟ أجاب الطباطبائي عن هذا التساؤل بقوله : « إنّ قوله تعالى : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا الحديد : 22 ، يدلّ على أنّ نسبة هذا الكتاب إلى الحوادث الخارجيّة ، نسبة الكتاب الذي يكتب فيه برنامج العمل إلى العمل الخارجي » . ثمّ قال : « فالكتاب المبين - أيّاً ما كان هو - شيء غير هذه الخارجيّات من الأشياء بنحو من المغايرة ، وهو يتقدّمها ثمّ يبقى بعد فنائها وانقضائها ، كالبرامج المكتوبة للأعمال التي تشمل على مشخّصات الأعمال قبل وقوعها ، ثمّ تحفظ المشخّصات المذكورة بعد الوقوع » « 1 » . والحاصل أنّه لا يمكن المصير إلى أنّ الكتاب المبين هو هذه الأعيان

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 7 ، ص 126 . .