السيد كمال الحيدري
66
دروس في علم الإمام
الخارجيّة الواقعة في متن الكون ؛ وذلك لأنّ هذه الموجودات والحوادث التي في عالمنا متغيّرة متبدّلة ، تجري عليها قوانين الحركة العامّة ، وقد تقدّم أنّ الآيات دالّة على عدم جواز التغيير والفساد فيما يشتمل عليه هذا الكتاب كما في قوله : فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ وقوله : وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ . فهي - كما ترى - واضحة الدلالة على أنّ هذا الكتاب في عين أنّه يشتمل على جميع مشخّصات الحوادث وخصوصيّات الأشياء المتغيّرة المتبدّلة ، لا يتبدّل هو في نفسه ، ولا يتسرّب إليه أيّ تغيّر أو تحوّل . إذن ، فهذا الكتاب المبين - الذي يحصي جميع ما وقع في عالم الصنع والإيجاد ، ممّا كان وما يكون وما هو كائن من غير أن يشذّ عنه شاذّ - أمر نسبته إلى الأشياء جميعاً نسبة الكتاب المشتمل على برنامج العمل إلى نفس العمل ، ففيه نوع تعيين وتقدير للأشياء ، إلّا أنّه موجود قبل الأشياء ومعها وبعدها ، وهو المشتمل على علمه تعالى بالأشياء علماً لا سبيل للضلال والنسيان إليه ؛ قال تعالى : قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى طه : 52 . الأمر الرابع : سبب تسمية الكتاب المبين بأُمّ الكتاب عبّر القرآن الكريم عن الكتاب المبين بأنّه أُمّ الكتاب وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ الزخرف : 4 ؛ ومردّ ذلك إلى أنّ هذا الكتاب هو الأصل الذي تنشأ منه الأشياء وترجع إليه ، فإذن هو أمّ ؛ لأنّ الأمّ في اللغة : الأصل الذي يرجع إليه ، وقد استبانت مرجعيّته للأشياء وأنّه يضبط صورها الثابتة على نحو دقيق لا يضلّ ولا ينسى ، بعد نزولها من الخزائن الإلهيّة صوب عالم التحقّق والتنجّز ، ويحفظ مشخّصاتها أثناء وجودها وبعده ، فإذن هو أمّ الكتاب وأصل الأشياء .